الكاتب والمحلل السياسي السوداني عمار العركي يكتب : أسبوعان من الحرب الإثيوبية .. قـراءة تحليليـة

>> البداية بتحالف البقاء وسيطرة جبهة تيغراي على المطارات
>> توسع الجبهات ودخول أمهرا وعفر وأوروميا المشهد
>> تجاوز الحرب الحدود.. نحو إريتريا والبحر الأحمر والسودان يراقب ويترقب
▪️بعد أسبوعين من القتال، دخلت الحرب الإثيوبية أسبوعها الثالث وسط اتساع المواجهات وتعدد الجبهات، من تيغراي إلى أمهرا وعفر وأوروميا، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. ولم تعد الحرب مجرد مواجهة داخلية، بل أصبحت أزمة تتداخل فيها صراعات السلطة مع التنافس على النفوذ والبحر الأحمر، بما يثير مخاوف متزايدة لدى دول الجوار، وفي مقدمتها السودان.
▪️بدأت المواجهات في إقليم تيغراي، حيث شهدت المعارك تحولات ميدانية شملت السيطرة على مطارات ومواقع في مكيلي وأكسوم وشيري، قبل استعادة القوات الفيدرالية السيطرة على مقلي. لكن ذلك لم يحسم الصراع؛ إذ استمرت المواجهات واتسعت إلى أمهرا وعفر وأوروميا، ما وضع الحكومة الإثيوبية أمام ضغوط عسكرية متزامنة، في وقت تتراجع فيه فرص احتواء الأزمة وتتدهور علاقاتها مع إريتريا.
▪️تختلف أهمية هذه الجبهات، لكنها تتداخل في تأثيرها على الحكومة. فالقتال في تيغراي يستنزف القوات الفيدرالية، والمواجهات في أمهرا تفرض ضغطاً إضافياً، بينما تكتسب عفر أهمية استراتيجية بسبب موقعها والطرق المرتبطة بالبحر الأحمر. أما استمرار الاضطراب في أوروميا، بما تمثله من ثقل سكاني وسياسي، فيزيد تعقيد الوضع الداخلي. ومع التوتر مع إريتريا، يصبح تعدد الجبهات عاملاً قد يحد من قدرة الحكومة على السيطرة على مجمل المشهد.
▪️تعود جذور الأزمة إلى خلاف قديم حول طبيعة الدولة وتوزيع السلطة والثروة بين المركز والأقاليم. فمن عهد هيلا سيلاسي، مروراً بمنغستو هيلا مريام وملس زيناوي، وصولاً إلى آبي أحمد، تغيرت أنظمة الحكم، لكن الخلاف حول إدارة التنوع القومي وحدود سلطة الحكومة الفيدرالية ظل قائماً. ومع وصول آبي أحمد إلى السلطة، تصاعدت المواجهة مع قوى إقليمية مختلفة، وتحولت الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة. لذلك، ترتبط الحرب الحالية بمستقبل النظام السياسي الإثيوبي والعلاقة بين المركز والأقاليم، وليس بالسيطرة العسكرية وحدها.
▪️تزداد المخاطر مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. فقد تبادل الطرفان الاتهامات، ووصل الخلاف إلى مجلس الأمن، وسط مخاوف من تحول التصعيد إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وأي حرب بين البلدين قد تتداخل مع الجبهات الداخلية، وتوسع نطاق الاضطراب، وتدفع البحر الأحمر إلى قلب المواجهة.
▪️تنبع حساسية هذا الملف من أن إثيوبيا أصبحت دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، وتعتمد على موانئ الدول المجاورة في تجارتها الخارجية. ولهذا يمثل الوصول إلى البحر الأحمر قضية استراتيجية بالنسبة إلى أديس أبابا، فيما يحتل ميناء عصب موقعاً مهماً في الحسابات الإريترية والإقليمية. غير أن الحاجة إلى منفذ بحري لا تبرر المساس بسيادة الدول أو فرض ترتيبات بالقوة؛ فهذه القضية لا تُحل إلا بالتفاوض والاتفاقات التي تحترم حقوق الأطراف ومصالحها.
▪️في ظل أهمية البحر الأحمر للتجارة والملاحة الدولية، تتداخل المصالح الإقليمية والدولية مع التطورات الجارية. وتسعى قوى نافذة، من بينها الإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل، إلى حماية مصالحها وتعزيز حضورها الأمني والاقتصادي في المنطقة. لكن وجود هذه المصالح لا يثبت وحده إدارة هذه الأطراف للحرب أو تنسيقها المباشر لتحركات المتحاربين، وهي مسائل تتطلب أدلة واضحة.
▪️بالنسبة إلى السودان، فإن الخطر يكمن في تزامن الجبهات الإثيوبية مع احتمال التصعيد بين أديس أبابا وأسمرا. فاستمرار القتال قد يغير موازين القوى قرب الحدود الشرقية، ويزيد احتمالات الاضطراب والتحركات السكانية، كما قد يخلق فراغات أمنية تستفيد منها جماعات مسلحة. ومن ثم، لا ينبغي أن يظل السودان في موقع المراقب، بل عليه رفع مستوى المتابعة السياسية والأمنية، وتعزيز الرقابة على الحدود، والاستعداد لأي تطورات تمس استقراره، مع تبادل المعلومات والتقديرات مع مصر وإريتريا والصومال.
▪️في هذا الإطار، تمثل قمة العلمين الرباعية، التي انعقدت في القاهرة في الرابع من أكتوبر 2026 بمشاركة مصر والسودان وإريتريا والصومال، فرصة لتعزيز التنسيق الإقليمي. فقد أكدت القمة مبادئ احترام السيادة ووحدة الأراضي، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، وحماية حرية الملاحة، وتعزيز دور الدول المشاطئة في قضايا البحر الأحمر. وتوفر هذه المبادئ أساساً للتعاون في مواجهة مخاطر لا تستطيع دولة واحدة احتواءها بمفردها.
▪️ نجاح هذا المسار يتطلب آلية متابعة عملية تتولى رصد التطورات وتبادل المعلومات والتحرك المبكر لاحتواء التصعيد. وينبغي أن يكون السودان شريكاً فاعلاً في هذه الآلية، بما يضمن حضور مخاوفه الأمنية ومصالحه الحدودية والبحرية، بالتوازي مع دعم الجهود الإفريقية والدولية لمنع اندلاع مواجهة بين إثيوبيا وإريتريا.
*خلاصة المشهد*
▪️ أن الحرب الإثيوبية تجاوزت حدود المواجهة الداخلية، مع تداخل الجبهات المتعددة وتصاعد التوتر مع إريتريا والتنافس على البحر الأحمر. وهذا يرفع مخاطر اتساع الصراع ويجعل تداعياته مصدر قلق مباشر لدول الجوار.
▪️أما السودان، فالأولوية هي حماية حدوده الشرقية، وتعزيز التنسيق الإقليمي، والمشاركة الفاعلة في متابعة مخرجات قمة العلمين، لمنع انتقال الحرب إلى أراضيه أو فتح جبهة جديدة تهدد أمنه القومي.
طالع المزيد :




