أخبار عاجلةالرأي

الدكتور عبد الناصر سلم حامد يكتب : السودان بعد الخرطوم .. لماذا لم تنتهِ الحرب رغم الحسم العسكري؟

في الحروب التقليدية، يعني سقوط العاصمة نهاية الصراع ، لكن ما جرى في السودان قلب هذه القاعدة رأسًا على عقب،  فبعد أن استعاد الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم ومعظم مناطق الوسط خلال عام 2025، لم تتوقف الحرب، بل دخلت طورًا أكثر تعقيدًا، لم تعد فيه المعركة تدور حول من يحكم، بل حول ما إذا كانت الدولة نفسها قادرة على أن تكتمل وتفرض سيادتها على كامل جغرافيتها.

فما تحقق في الخرطوم، على أهميته، ظل حسمًا عسكريًا محدود الأثر استراتيجيًا، لأن السيطرة على العاصمة لا تعني بالضرورة السيطرة على الدولة. فالدولة، في معناها العملي، هي القدرة على ضبط المجال السيادي بأكمله، وربط المركز بالأطراف، ومنع تشكّل مراكز قوة موازية. وعندما تعجز عن ذلك، فإنها لا تنهار بالضرورة، لكنها تدخل في حالة «الدولة الناقصة»، حيث تبقى مؤسساتها قائمة، لكنها تفقد قدرتها على العمل كسلطة موحدة خارج نطاق المركز. ومن هذا المنظور، يصبح استمرار الحرب رغم استعادة الخرطوم نتيجة منطقية، لا مفارقة.

ومع انتقال مركز الصراع بعيدًا عن العاصمة، برزت كردفان باعتبارها نقطة الارتكاز الأساسية في هذه المرحلة، ليس فقط لكونها ساحة مواجهة، بل لأنها تمثل عقدة لوجستية تربط غرب السودان بوسطه، وتتحكم فعليًا في تدفّق الإمدادات القادمة من دارفور. فـالسيطرة عليها تعني التحكم في شريان الحرب نفسه، بينما فقدانها يعني بقاء هذا الشريان مفتوحًا، بما يسمح بإعادة إنتاج الصراع حتى في ظل خسارة مواقع مهمة. ولهذا، لم تكن المعارك هناك صراعًا على الأرض بقدر ما كانت صراعًا على الحركة، وعلى القدرة على الاستمرار.

غير أن ما منح هذه المرحلة تعقيدها الحقيقي هو النمط الذي اتخذته العمليات العسكرية. فبدلًا من أن يؤدي تقدم الجيش في محور معين إلى انهيار شامل في بقية الجبهات، كانت الجبهات الأخرى تشتعل في الوقت نفسه، كما لو أن هناك إعادة توزيع مستمرة للضغط، ومع تصاعد العمليات في كردفان، برزت جبهة النيل الأزرق، ليس كامتداد طبيعي للقتال، بل كتحول يعيد تشكيل خريطة الصراع ويمنع تركيز الجهد العسكري في نقطة واحدة.

الحرب في السودان لم تعد تُحسم… بل تُدار

هذا السلوك يتوافق مع ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بإدارة التشتيت العملياتي، وهو نمط يُستخدم لمنع الخصم من تحقيق حسم سريع عبر إرهاقه بجبهات متعددة، وحرمانه من القدرة على تركيز قوته. وفي مثل هذا السياق، لا تعني السيطرة على موقع أو مدينة نهاية المعركة، لأن المجال العملياتي نفسه يظل مفتوحًا، وتبقى إمكانية إعادة التموضع قائمة. وهكذا تتحول الانتصارات إلى مكاسب جزئية، لا تكتمل في غياب السيطرة الشاملة.

وتكتسب جبهة النيل الأزرق أهمية مضاعفة، ليس فقط لدورها في إعادة توزيع الضغط، بل لموقعها الحدودي مع إثيوبيا، وهو ما يفتح الباب أمام بعد إقليمي لا يمكن تجاهله. فالحدود في هذه المنطقة لا تعمل كحواجز صلبة، بل كمساحات مرنة تتداخل فيها الجغرافيا مع الروابط الاجتماعية، ما يجعلها بيئة مناسبة لحركة الإمدادات غير النظامية، سواء كانت بشرية أو مادية، وفي مثل هذه البيئات، تصبح السيطرة على الأرض أقل أهمية من القدرة على التحكم في تدفقات الحركة عبرها.

ضمن هذا الإطار، يظهر الدور الإثيوبي في صورة أكثر تعقيدًا من مجرد دعم مباشر أو تدخل معلن. فبدلًا من الانخراط الواضح، يتخذ هذا الدور شكلًا أقل وضوحًا يمكن وصفه بـ«الدعم منخفض البصمة»، حيث يتم الحفاظ على مستوى معين من السيولة في المجال الحدودي، بما يسمح باستمرار الحركة دون الوصول إلى مستوى الانخراط المباشر. هذا النمط لا يسعى إلى تحقيق نصر لطرف بعينه، بقدر ما يعمل على منع الحسم الكامل، وإبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها.

ولا يمكن فهم هذا السلوك بمعزل عن موقع إثيوبيا في الإقليم، فهي تواجه تحديات متزامنة في أكثر من اتجاه، سواء في علاقتها مع الصومال بعد اتفاقها مع أرض الصومال للحصول على منفذ بحري، أو في توترها مع إريتريا، أو في حساسيتها المستمرة تجاه مصر. في ظل هذه المعادلة، يصبح وجود سودان مستقر وقادر على التماسك عامل ضغط إضافي، ما يجعل استمرار حالة عدم الاكتمال في السودان خيارًا يتقاطع مع منطق إدارة التوازنات الإقليمية.

في هذا السياق، لا يمكن فهم تصاعد العمليات في إقليم النيل الأزرق بمعزل عن التحولات القيادية داخل قوات الدعم السريع، حيث برز القائد حمودة أبو شنب “البيشي” كأحد أبرز الفاعلين في هذه الجبهة، عقب مقتل القائد عبد الرحمن البيشي في يوليو 2024، وهو الحدث الذي أحدث فراغًا قياديًا داخل القطاع. ولم يكن اختيار حمودة إجراءً شكليًا، بل استند إلى خبرة تراكمية في الإمداد والاستخبارات داخل الإقليم، منحته معرفة دقيقة بشبكات الحركة اللوجستية وتركيبة الولاءات المحلية، إلى جانب سجل ميداني عزز من حضوره بين المقاتلين.

ومع انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على التحالفات، برز دوره في إدارة التقاطعات الميدانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، حيث تنشط قيادات ميدانية مثل جوزيف توكا. ولم يكن هذا التداخل مجرد تقارب ظرفي، بل عكس نمطًا من العمل يقوم على الاستفادة من الجغرافيا المشتركة ومناطق النفوذ المتداخلة، بما أتاح فتح مسارات جديدة للحركة والإمداد، وساهم في إعادة تنشيط الجبهة الجنوبية.

وفي الوقت نفسه، لعبت الروابط الاجتماعية والقبلية دورًا في تثبيت هذا التعيين، حيث تميل هذه التكوينات المسلحة إلى الاعتماد على قيادات ترتبط بشبكات موثوقة لضمان التماسك الداخلي، خاصة في بيئة معقدة مثل النيل الأزرق، تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع الأبعاد الإقليمية.

ضمن هذا المشهد، تتحول القيادة في هذه الجبهة من دور تكتيكي إلى وظيفة استراتيجية، تتمثل في تأمين خطوط الإمداد البديلة، وإعادة توزيع الضغط على الخصوم، وإبقاء المجال العملياتي مفتوحًا. وهذا ما يعزز من فهم النيل الأزرق ليس فقط كساحة قتال، بل كأداة لإدارة الحرب.

وفي الوقت ذاته، تتغير طبيعة بعض الفاعلين داخل الصراع، وعلى رأسهم قوات الدعم السريع، التي لم تعد تُفهم فقط كطرف يسعى للسيطرة على السلطة، بل كعنصر يسهم—بحكم انتشاره في الأطراف وقدرته على الحركة—في إبقاء الصراع مفتوحًا. فوجودها في مناطق غير مركزية، وارتباطها بمسارات الإمداد، يمنحها دورًا يتجاوز الفعل العسكري المباشر، لتصبح جزءًا من بنية الحرب نفسها.

ومع استمرار هذا النمط، تتبدل وظيفة الحدود، فتتحول من خطوط فاصلة إلى أدوات تُستخدم لإدارة الصراع، سواء كممرات للإمداد أو كمناطق نفوذ أو كنقاط ضغط. وبهذا، يدخل السودان في حالة لا ينقسم فيها رسميًا، لكنه يفقد تماسكه الفعلي، لتظهر حالة من السيادة المجزأة، حيث توجد الدولة، لكنها لا تعمل بكامل طاقتها.

ويتعزز هذا الوضع مع تشكّل اقتصاد حرب موازٍ، تقوم عليه شبكات التهريب والتجارة غير النظامية، والتي تخلق بدورها منظومة مصالح تجعل استمرار الصراع أكثر جدوى لبعض الفاعلين من إنهائه. وفي مثل هذه البيئة، لا تحتاج الحرب إلى نصر كي تستمر، بل يكفي أن تغيب الدولة بوصفها سلطة قادرة على الضبط والتنظيم.

في النهاية، لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على السلطة، بل أصبحت عملية إعادة تشكيل بطيئة للدولة من أطرافها، حيث يُعاد توزيع النفوذ، وتُعاد صياغة العلاقة بين المركز والهامش. وقد تنجح الدولة في استعادة عاصمتها، لكن التحدي الحقيقي يظل في قدرتها على استعادة الأطراف، لأن الدولة لا تُقاس بما تسيطر عليه في المركز، بل بما تستطيع أن تحكمه في الهامش .

 

اقرأ المزيد 

السودان يتهم إثيوبيا بدعم هجوم الدعم السريع على الحدود وتصاعد التوترات في النيل الأزرق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »