أخبار عاجلةالرأي

الدكتور محمد جبرين نجالا يكتب : النهوض معًا: الزخم الجديد للتجارة البينية الإفريقية

على مدار السنوات الخمس إلى السبع الماضية، بدأت القارة الإفريقية في إعادة تشكيل واحدة من السمات الجوهرية لهيكلها الاقتصادي, فعلى مدى عقود طويلة، اتسمت اقتصادات الدول الإفريقية بالاعتماد الكبير على تصدير المواد الخام إلى أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، مقابل استيراد السلع المصنعة والنهائية. إلا أن تحولًا واضحًا يشهده المشهد اليوم؛ حيث تتجه الدول الإفريقية بشكل متزايد نحو تعزيز التجارة فيما بينها. ويسهم هذا التحول في تعزيز مرونة الاقتصادات الإفريقية، وتسريع وتيرة التصنيع، ودعم تحقيق الازدهار المشترك في مختلف أنحاء القارة. ويعود هذا الزخم بالدرجة الأولى إلى إصلاحات السياسات، وتنامي دور القطاع الخاص، إلى جانب تفعيل أطر إقليمية رئيسية، وعلى رأسها اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) والسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (COMESA).

تحول ملموس في أنماط التجارة

بلغ حجم التجارة البينية الإفريقية نحو 220.3 مليار دولار خلال عام 2024، مسجلًا زيادة ملحوظة بلغت 12.4% مقارنة بالعام السابق (1). ويأتي هذا الرقم امتدادًا لاتجاه تصاعدي مستمر؛ إذ بلغت التجارة البينية حوالي 192 مليار دولار في عام 2023، بما يمثل 15% من إجمالي تجارة القارة، مقارنة بنسبة 13.6% في عام 2022 (2). ورغم أن هذه النسبة لا تزال أقل مقارنة بمستويات التجارة البينية في أوروبا أو آسيا، فإن الاتجاه العام يعكس تطورًا إيجابيًا واضحًا.

ويرتبط هذا النمو ارتباطًا وثيقًا باتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، التي دخلت حيز التنفيذ رسميًا في عام 2021، وتهدف إلى إنشاء سوق موحدة تضم أكثر من 1.3 مليار نسمة، بإجمالي ناتج محلي يبلغ نحو 3.4 تريليون دولار (3). ومن خلال إلغاء الرسوم الجمركية على ما يصل إلى 97% من السلع، إلى جانب تقليص الحواجز غير الجمركية والإدارية، تضع الاتفاقية الأساس لاقتصاد قاري أكثر تكاملًا وترابطًا.

اقتصادات رائدة تقود مسار التكامل

تتصدر مجموعة من الاقتصادات الإفريقية مشهد التوسع في التجارة البينية، حيث تأتي جنوب إفريقيا في الصدارة بحجم تجارة يبلغ نحو 42 مليار دولار، تليها مصر بنحو 10.5 مليار دولار.

كما شهدت نيجيريا نموًا ملحوظًا في تجارتها البينية، حيث تجاوزت 5.2 مليار دولار، مدعومة بمشروعات صناعية كبرى، أبرزها مصفاة «دانغوتي»، التي تقوم بتزويد الدول المجاورة بالمنتجات البترولية المكررة (1).

وتبرز مصر بشكل خاص كأحد أبرز الداعمين لاتفاقيتي AfCFTA وCOMESA، إذ تلعب دورًا محوريًا في تعزيز التكامل الاقتصادي عبر التجارة، من خلال تنفيذ إصلاحات هيكلية واستثمارات استراتيجية. ومن بين أبرز هذه المشروعات، مشروع الممر الملاحي «بحيرة فيكتوريا – البحر المتوسط» (VIC-MED)، الذي يستهدف تسهيل حركة التجارة على امتداد نهر النيل. كما تركز مصر على زيادة صادراتها من السلع المصنعة، والأسمدة، والكيماويات، والأدوية، والأغذية المصنعة، بهدف تعزيز الروابط اللوجستية مع دول شرق إفريقيا، بما في ذلك أوغندا، إلى جانب دعم التكامل الإقليمي مع دول شرق ووسط إفريقيا مثل جنوب السودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وبوروندي، ورواندا، وذلك في ظل تبسيط الإجراءات الجمركية وزيادة تدفقات التجارة عبر الحدود. كذلك، تستثمر مصر في تطوير شبكات النقل، بما في ذلك إنشاء طريق بطول 1700 كيلومتر يمتد نحو تشاد، لربطها بدول وسط إفريقيا مثل الكونغو وجمهورية إفريقيا الوسطى، بما يعزز حركة التجارة الإقليمية.

الإصلاح والنمو: قصص نجاح صاعدة

إلى جانب الاقتصادات الكبرى، تبرز مجموعة من الدول ذات التوجه الإصلاحي كنماذج ناجحة توضح كيف يمكن لتحسين الحوكمة أن يفتح آفاقًا واسعة للنمو والتجارة. فعلى سبيل المثال، تواصل رواندا تحقيق مراكز متقدمة ضمن أفضل الدول الإفريقية في سهولة ممارسة الأعمال، مدعومة بإصلاحات في الحوكمة الرقمية واستثمارات في البنية التحتية اللوجستية.

وبالمثل، نفذت كل من كوت ديفوار والسنغال إصلاحات اقتصادية كلية، وعززتا من كفاءة إدارة المالية العامة، واستثمرتا في ممرات النقل والبنية التحتية للموانئ. وقد انعكست هذه الجهود في تحقيق معدلات نمو قوية ومستدامة للناتج المحلي الإجمالي، غالبًا ما تجاوزت 5 إلى 6% سنويًا خلال السنوات الأخيرة، ما جعلهما مركزين إقليميين بارزين للتجارة.

أما تونس، فعلى الرغم من التحديات السياسية والاقتصادية، تواصل الاستفادة من قاعدتها الصناعية المتطورة وقربها الجغرافي من أوروبا، مع توسيع انخراطها في الأسواق الإفريقية من خلال اتفاقيات التجارة ومبادرات الاستثمار.

وتعكس هذه التجارب اتجاهًا أوسع في القارة، يتمثل في أن التجارة البينية الإفريقية لا تنمو فقط من حيث الحجم، بل تتجه أيضًا نحو مزيد من التنوع، متجاوزة الاعتماد التقليدي على السلع الأولية إلى السلع المصنعة والخدمات.

الأثر الاقتصادي والاجتماعي

بدأت التجارة البينية الإفريقية بالفعل في تحقيق فوائد اقتصادية ملموسة، حيث تميل التجارة داخل القارة إلى الاعتماد بشكل أكبر على المنتجات ذات القيمة المضافة مقارنة بالصادرات إلى الأسواق العالمية، التي غالبًا ما تهيمن عليها المواد الخام. ويسهم هذا التحول في دعم التصنيع، وزيادة الإنتاجية، وخلق فرص عمل أكثر تخصصًا.

ومن المتوقع أن تلعب اتفاقيتا AfCFTA وCOMESA دورًا محوريًا في زيادة مستويات الدخل، وانتشال ملايين الأشخاص من براثن الفقر، من خلال تمكين الدول من التخصص والانخراط في سلاسل القيمة الإقليمية (3). كما تسهم زيادة النشاط التجاري في دعم نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للعديد من الاقتصادات الإفريقية.

ومن ناحية أخرى، يرتبط النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل ارتباطًا وثيقًا بأنماط النزاعات والهجرة. فمع توسع الفرص داخل الدول، من المرجح أن تتراجع الضغوط الاقتصادية التي تدفع إلى الهجرة غير النظامية نحو أوروبا والشرق الأوسط. ورغم أن الهجرة تتأثر بعوامل متعددة، فإن قوة الاقتصادات المحلية توفر بدائل حقيقية ومستدامة للشباب الباحثين عن فرص أفضل.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذا التقدم، لا تزال هناك تحديات كبيرة تعيق تحقيق الاستفادة الكاملة من هذا الزخم، أبرزها عجز البنية التحتية، الذي يُقدَّر بأكثر من 100 مليار دولار سنويًا، ما يحد من كفاءة تدفقات التجارة (4). كما تسهم التأخيرات على الحدود، وتفاوت الأطر التنظيمية، والاعتماد على العملات الأجنبية في عمليات التسوية التجارية، في زيادة تكاليف المعاملات وتقليص القدرة التنافسية.

علاوة على ذلك، لا تزال التجارة البينية الإفريقية تمثل نحو 15% إلى 18% فقط من إجمالي تجارة القارة، وهي نسبة أقل بكثير مقارنة بمناطق أخرى من العالم (5)، ما يعكس حجم الإمكانات غير المستغلة التي لا تزال قائمة.

الطريق إلى الأمام: أولويات السياسات

من أجل الحفاظ على هذا الزخم وتسريع وتيرة نمو التجارة البينية الإفريقية، يتعين على الحكومات تبني حزمة متكاملة من السياسات، تشمل:

  1. تطوير البنية التحتية
    الاستثمار في الطرق والسكك الحديدية والموانئ والبنية الرقمية لتقليل تكاليف النقل وتحسين الربط.
  2. تيسير التجارة وتوحيد المعايير
    تبسيط الإجراءات الجمركية، وتوحيد المواصفات، وتقليل الحواجز غير الجمركية لتعزيز كفاءة التجارة عبر الحدود.
  3. التكامل المالي
    توسيع أنظمة مثل نظام المدفوعات والتسوية الإفريقي لتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية وخفض تكاليف المعاملات.
  4. السياسات الصناعية وسلاسل القيمة
    تعزيز سلاسل القيمة الإقليمية في قطاعات التصنيع والزراعة والخدمات لزيادة القيمة المضافة داخل القارة.
  5. الاستقرار التنظيمي والحوكمة
    تبني سياسات شفافة، والحد من الفساد، وتوفير بيئة تنظيمية مستقرة لتعزيز ثقة المستثمرين.
  6. دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة
    تسهيل وصول هذه المشروعات إلى التمويل والأسواق لضمان توزيع عادل لمكاسب التجارة.
  7. تنمية رأس المال البشري
    الاستثمار في التعليم وتنمية المهارات لتمكين القوى العاملة الإفريقية من الانخراط في صناعات متقدمة.

الخلاصة :

يمثل التحول نحو تعزيز التجارة البينية داخل القارة الإفريقية أحد أبرز وأهم التطورات الاقتصادية خلال العقد الماضي. ورغم استمرار التحديات، فإن النمو المستمر في أحجام التجارة، والدور القيادي لاقتصادات كبرى مثل جنوب إفريقيا ومصر ونيجيريا، إلى جانب زخم الإصلاح في دول مثل رواندا والسنغال، جميعها مؤشرات على قارة تتجه بشكل متزايد نحو الاعتماد على ذاتها كمحرك رئيسي للنمو.

وإذا ما تم دعم هذا التحول من خلال التزام سياسي مستدام وتعزيز التعاون الإقليمي، فإنه يحمل إمكانات هائلة ليس فقط لتعزيز الأداء الاقتصادي، بل أيضًا لإعادة تشكيل سبل المعيشة في القارة، من خلال خلق فرص العمل، وتقليل معدلات الفقر، ومنح ملايين الأفارقة مستقبلًا أكثر ازدهارًا داخل إفريقيا، بدلًا من الهجرة إلى أوروبا والشرق الأوسط بحثًا عن فرص عمل منخفضة المهارة.

  • الدكتور محمد جبرين نجالا  – البريد الإلكتروني: [email protected] .
المراجع

1.Intra-African trade reached $220.3 billion in 2024 – ExportFocus Africa
2.Afrikaverein der deutschen Wirtschaft – englisch | Afrika-Verein der deutschen Wirtschaft e.V.
3.Business Tech Africa Insights | Latest News Updates & Analysis
4.https://www.reuters.com/world/africa/we-are-our-own-africa-looks-within-weather-growing-global-tariff-turmoil-2025-07-18/
5.https://www.gulfafricareview.com/intra-african-trade-hits-220-3-billion-but-afcfta-rollout-still-lags/

إقرأ المزيد :

تفاصيل لقاء وزير الخارجية المصري معسكرتير عام منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى