أ.د حمدي عبد الرحمن حسن يكتب : مالي ومعضلة الحرب الهجين: تحولات التمرد على السلطة الوطنية

ليس بخاف أن الموجة الأخيرة من الهجمات المنسقة التي قامت بها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في أنحاء مالي ليست مجرد حلقة أخرى في تمرد طويل الأمد، بل تُشكل تحولاً حاسماً في طبيعة الصراع , يعني ذلك أن ما حدث في 25 أبريل2026، بشن هجمات متزامنة على مدن رئيسية، بما في ذلك موبتي وكيدال وغاو وحتى ضواحي باماكو، يُشير إلى أن مالي لم تعد تواجه صراعا عنيفا في مناطق الأطراف، بل تواجه تمرداً متكامل الأركان قادراً على التخطيط الاستراتيجي، والطموح من أجل السيطرة الإقليمية، وبسط النفوذ والتأثير السياسي.
تلك لحظة كاشفة تتطلب الوضوح: فالدولة الوطنية في مالي تفقد احتكارها للعنف المادي و هيمنتها على الخطاب السياسي على حد سواء , ومن المعروف أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كانت تقدم منذ سنوات على أنها تحالف لا مركزي بين تنظيمات ارهابية تجد مسوغا لوجودها في المظالم الريفية والتحالفات المحلية وحرب غير متكافئة , بيد أن هذا الوصف أصبح غير كاف ولا يساعدنا على الفهم والتفسير.
إن قدرة الجماعة على تنسيق هجمات على عدة مدن بالتزامن، ونشر الطائرات المسيّرة والسيارات المفخخة، واستهداف رموز سياسية معتبرة – مثل الاغارة على مقر إقامة وزير الدفاع – تُظهر تحولًا نحو الحرب الهجينة, إننا أمام تمرد يتطور إلى صراع شبه تقليدي.
ومن اللافت أن البُعد الرمزي لهذه الهجمات لا يقل أهمية عن تنفيذها التكتيكي. فمن خلال ضرب مركز القيادة في باماكو، مع إعلان سيطرتها على مناطق رئيسية في الشمال والوسط، تمكنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة في إيصال رسالتين.
أولًا، أنه لا يوجد جزء من مالي بمنأى عن أيديها الطولي.
ثانيًا، أن الدولة نفسها تعاني ضعفا غير خاف، حيث تأخرت ردود فعلها ، كما تزداد غموضًا في تواصلها مع المواطنين.
والذي يعنينا في هذا المقام هو الوظيفة الاتصالية للدولة التي تعد حاسمة وقت الأزمات. فقد أدى رد الحكومة المالية الخافت والمتأخر – بإصدار بيانات مبهمة إلى أن يلجا المواطنون إلى وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات – الأمر الذي يساعد على تفاقم حالة عدم اليقين, ومن المعروف أن بناء السرديات والتصورات في الصراعات المعاصرة، يمثل مفتاح النصر بحسبانه مصدر قوة, فعندما تعجز الدول عن التواصل بشفافية، تملأ الجهات الفاعلة غير الحكومية الفراغ ليس من خلال أدوات العنف المادي فحسب، بل بالسيطرة على عالم بناء السرديات كذلك.
وتدرك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هذا الأمر جيدًا, إذ يعكس تطورها إعادة تقييم استراتيجية أوسع نطاقًا شوهدت في جبهات أخرى، لا سيما خبرة جبهة النصرة في سوريا, إن إشارة البعض إلى ديناميكيات ما بعد الأسد ليست من قبيل المصادفة , فالجماعات المسلحة ذات الطابع السلفي الجهادي في مختلف المناطق تتعلم من بعضها البعض، وتُكيّف نماذجها، وتُعيد تفسير النجاح. وعليه لم تعد فكرة انتقال حركة متحالفة مع هذه التنظيمات ذات الاسناد الديني من التمرد إلى الحكم فكرة نظرية، بل أصبحت جزءًا من تصور استراتيجي عابر للحدود.
وبالفعل في مالي، يتجلى هذا في طموح جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الواضح لتجاوز مرحلة اختبار الحكم في المراكز الحضرية , وعليه فإن الاستيلاء على مراكز حضرية مثل موبتي أو كيدال، أو حتى السيطرة عليها مؤقتًا، يخدم أغراضًا متعددة: فهو يُقوّض شرعية الدولة من جهة ، ويُظهر إمكاناتها الإدارية والمؤسسية، ويضغط على الحكومة للتفاوض من جهة أخرى.
ولعل ذلك يثير تساؤلًا مثيرا للقلق يتعلق بمدى اقتراب مالي من مرحلة “السيطرة القصوى” حيث لا يستطيع أي طرف من أطراف الصراع تحقيق نصر حاسم أو الفوز بالضربة القاضية، بل والأدهى من ذلك يتمكن المتمردون والتنظيمات الإرهابية بشكل متزايد من فرض شروط المواجهة, ولكن ما الذي دفع إلى هذه النقطة رغم جهود مجالس الحكم العسكرية في دول الساحل الثلاثة من تجميع وحشد مواردها من أجل مواجهة المخاطر التي تواجهها من كل حدب وصوب؟ لقد تضافرت عدة عوامل هيكلية لتُنتج هذه اللحظة.
أولًا، هشاشة الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال، والتي تفاقمت بفعل الانقلابات المتتالية وعسكرة الحكم , وذلكم هو بيت الداء في سائر أنحاء قارتنا الأفريقية., وقد أدى تركيز المجلس العسكري على الحلول الأمنية، إلى جانب محدودية المبادرات السياسة ، إلى تضييق هامش الحوار الشامل وحل النزاعات المحلية.
ثانيًا، إعادة تشكيل الشراكات والتحالفات الخارجية. فقد أدى انسحاب القوات الفرنسية والاعتماد المتزايد على الدعم شبه العسكري الروسي إلى تغيير المشهد العملياتي، ولكن ليس بالضرورة بطرق تدعم الاستقرار على المدى الطويل, فبينما قد توفر هذه الشراكات مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل، إلا أنها غالبًا ما تفتقر إلى المقاربات الشاملة اللازمة لمعالجة الجذور الاجتماعية والسياسية للتمرد.
ثالثا، أصبحت الجهات الخارجية نفسها جزءًا من ساحة المعركة الرمزية. فمن خلال استهداف المواقع المرتبطة بالقيادة العسكرية المالية – ولا سيما الشخصيات المرتبطة بشركاء أجانب – فإن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا تهاجم الدولة فحسب، بل تتحدى أيضًا شرعية تحالفاتها, وعليه يتم تصوير هذا الصراع على أنه صراع ضد كل من المصالح الداخلية والخارجية، وهي رواية قد تلقى صدىً في سياقات تتسم بمظالم تاريخية ومخاوف تتعلق بالسيادة.
رابعا، البُعد المحلي، الذي لا يزال محوريًا رغم التأطير المعولم بشكل متزايد للصراع. لطالما تمثلت قوة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في قدرتها على الاندماج في الديناميات المحلية، مستغلةً التوترات العرقية، والفجوات في الحوكمة، والتهميش الاقتصادي. ويُظهر تنسيقها المُعلن مع عناصر انفصالية من الطوارق، مثل جبهة تحرير أزواد، أسلوبا براغماتيًا في التحالفات. فالنقاء الأيديولوجي أضحى امرا ثانويٌا للتقارب الاستراتيجي.
هذه السيولة والتعقيدات الأمنية تُعقّد جهود مكافحة التمرد والارهاب. لم يعد الصراع صراعًا بين الدولة والتنظيمات الارهابية؛ بل أصبح صراعًا متعدد الطبقات يشمل ميليشيات عرقية، وحركات انفصالية، وجهات فاعلة أجنبية، ومجتمعات محلية تُكافح وتناضل من أجل البقاء. في ظل هذه الخلفية، يبدو رفض الحكومة المالية للتفاوض غير قابل للاستمرار على نحو متزايد. فبينما يبقى التعامل مع الجماعات الإرهابية وحركات التمرد حساسًا من الناحية السياسية ومحل جدل أخلاقي، فإن الرفض القاطع يحد من الخيارات الاستراتيجية. ويشير المسار الحالي لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى أنها لا تسعى إلى تحقيق انتصارات عسكرية فحسب، بل إلى الحصول على اعتراف سياسي أيضًا. ولاشك أن تجاهل هذا البُعد يُنذر بخطر إطالة أمد حرب تُعيد تشكيل الواقع الجغرافي والمؤسسي لمالي وجوارها.
في الوقت نفسه، لا تُعد المفاوضات حلًا سحريًا, فهي تنطوي على مخاطر إضفاء الشرعية على الجهات المسلحة والتنظيمات الارهابية، وزيادة تفتيت الدولة، أو التوصل إلى اتفاقيات هشة تنهار تحت الضغط. ومع ذلك، فقد أظهر البديل – وهو اتباع مقاربة عسكرية بحتة في مواجهة خصم متكيف ومتزايد القدرات – قصوره. إن المطلوب ليس خيارًا ثنائيًا بين الحرب والحوار، بل إعادة بناء الثقة بين المجتمعات المحلية, ويشمل ذلك تعزيز الحوكمة المحلية، وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات، ومعالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تُشجع على التجنيد في الجماعات المسلحة.
ولا يقل أهمية عن ذلك المجال المعلوماتي, إذ تُبرز أهداف أبريل 2026 اعتماد إدارة الاتصال على السلطة. فاعتماد المواطنين على مصادر غير رسمية في أوقات الأزمات يُقوّض مصداقية الدولة ويُهيئ بيئة خصبة للتضليل, إن الدولة التي لا تستطيع التواصل بفعالية أثناء الهجمات تُخاطر بخسارة المعارك، بل وشرعيتها أيضاً.
وبالنظر إلى سؤال المستقبل، لا يكمن الخطر بالضرورة في أن تُطيح جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالنظام الحاكم في باماكو على المدى القريب, فكما يُشير بعض المحللين، يبقى هذا الاحتمال مستبعداً, لكن الخطر الأكبر يكمن في تطبيع قدراتها، أي القبول التدريجي بأن الجماعة قادرة على ضرب أي مكان، والتأثير على مناطق متعددة، والعمل بدرجة من الإفلات من العقاب.
لهذا التطبيع تداعيات إقليمية, فعدم استقرار مالي مُرتبط منذ زمن طويل بأزمة الساحل الأوسع، مما يؤثر على بوركينا فاسو والنيجر وغيرها, وقد تُؤدي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الأكثر قوة وتطوراً استراتيجياً إلى زيادة زعزعة استقرار الدول الهشة، وتكثيف العمليات عبر الحدود، وتحدي أطر الأمن الإقليمي المُنهكة أصلاً.
وبهذا المعنى، فإن ما يحدث في مالي ليس تصعيداً معزولا، بل هو مؤشر على تحول أوسع في طبيعة الصراعات العنيفة في منطقة الساحل , وأصبحت الجهات الفاعلة غير التابعة لدول بعينها أكثر قدرة على التكيف، وأكثر تواصلا، وأكثر طموحا على المستوى السياسي.
وفي الوقت نفسه، تكافح الدول من أجل مواكبة التقدم، وغالباً ما تكون مقيدة بأوضاع الهشاشة الداخلية والتبعية الخارجية. لذلك ينبغي فهم أحداث أبريل 2026 على أنها صيحة تحذير, لا يتعلق الأمر فقط بالمسار المباشر لمالي، بل يتعلق بالمستقبل المتوقع في المنطقة, إذا تمكنت الجماعات المتمردة والارهابية من التطور إلى جهات فاعلة تجمع بين القوة العسكرية والاستراتيجية السياسية، فإن الخطوط الفاصلة بين الحرب والحكم تبدأ في التلاشي.
بالنسبة لدولة مالي وباقي الدول التي يحكمها مجالس عسكرية، فإن الطريق إلى الاستقرار سوف يتطلب أكثر من مجرد ابراز القوة في ساحة المعركة , نحن بحاجة إلى حلول سياسية غير تقليدية ، وإصلاحات مؤسسية، والاستعداد لمواجهة الحقائق غير المريحة بشأن حدود القوة المادية ومنهج عسكرة الأزمات الوطنية.
إقرأ المزيد :
مالي على حافة الانفجار .. تحالف قوي الإرهاب والانفصاليين يضع منطقة الساحل الأفريقي علي المحك




