أخبار عاجلةالرأي

إدريس إحميد يكتب : إيران.. مواصلة المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة

تُعد إيران واحدة من أكثر الدول تأثيراً وتعقيداً في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، ليس فقط بحكم موقعها الاستراتيجي، بل أيضاً لكونها جزءاً من منطقة تمتلك أهم الثروات العالمية من النفط والغاز، وتشكل مسرحاً دائماً لتنافس القوى الكبرى وتحالفاتها المتغيرة.
منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت إيران في مرحلة مواجهة طويلة مع الولايات المتحدة والدول الغربية، تمثلت في حصار اقتصادي وعقوبات سياسية وعسكرية استمرت لعقود، إلى جانب حرب قاسية خاضتها مع العراق استمرت ثماني سنوات، خلّفت آثاراً عميقة على الاقتصاد والبنية الاجتماعية والعسكرية للدولة.
ورغم هذه الضغوط الكبيرة، تمكنت إيران من إعادة بناء قدراتها تدريجياً عبر الاعتماد على الذات، وتطوير الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، وبناء برامج صاروخية متقدمة، إلى جانب المضي في تطوير برنامجها النووي، في إطار استراتيجية تقوم على تحقيق الردع وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.
كما وسّعت طهران نفوذها السياسي والأمني في عدد من دول الإقليم، عبر شبكة من العلاقات والتحالفات، ما جعلها طرفاً فاعلاً في معادلات الشرق الأوسط، وليس مجرد دولة متلقية للضغوط الخارجية.
في المقابل، دخلت إيران خلال العقود الأخيرة في مواجهة مباشرة وغير مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في صراع متعدد الأبعاد يجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن والاستخبارات.

ورغم تصاعد الضغوط، لم تنجح واشنطن في فرض تغيير جذري في سلوك إيران أو إنهاء مشروعها الاستراتيجي، وهو ما جعل هذه المواجهة تأخذ طابعاً ممتداً وطويل الأمد.
وتعكس هذه المرحلة حالة “لا حرب ولا سلم”، حيث لا تصل المواجهة إلى حرب شاملة، ولا تنتهي إلى تسوية نهائية، بل تبقى ضمن دائرة إدارة الأزمات والتصعيد المتقطع، بما يشبه ماراثوناً سياسياً وعسكرياً مفتوحاً.

إيران بين الصمود والضغط

تتعامل إيران مع هذه المواجهة باعتبارها معركة وجودية تتعلق بمستقبل الدولة ودورها الإقليمي، وليس مجرد خلاف سياسي. ولذلك تعتمد استراتيجية تقوم على الصمود الطويل، وتوسيع هامش الحركة، واستثمار نقاط ضعف الخصوم، خاصة في ظل التباينات داخل القرار الغربي.
كما تدرك طهران أن العقوبات الاقتصادية تهدف إلى إنهاكها داخلياً، لكنها في المقابل تحاول تحويل هذا الضغط إلى دافع لتعزيز الاكتفاء الذاتي، وتقوية الصناعات الدفاعية، وتقليل الاعتماد على الخارج.
وفي هذا السياق، يبقى الملف النووي أحد أبرز نقاط التوتر، حيث تعتبره إيران حقاً سيادياً وورقة ردع استراتيجية، بينما تراه الولايات المتحدة تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي، في حين تنظر إليه إسرائيل باعتباره تهديداً استراتيجياً يمس أمنها وميزان الردع في المنطقة.
وفي سياق تقييم موازين القوة، ترى بعض التحليلات أن إسرائيل، في حال الوصول إلى مرحلة خفض التصعيد أو احتواء المواجهة، ستظل تواجه صعوبات في إدارة صراع مباشر ومفتوح مع إيران بشكل منفرد، نظراً لطبيعة الحرب الممتدة وتشعب ساحاتها الإقليمية وتعدد أدوات الردع المستخدمة فيها.
كما تشير هذه القراءات إلى أن القدرة الإسرائيلية على الاستمرار في إدارة هذا النوع من المواجهات ترتبط بدرجة كبيرة بالدعم الأمريكي والغربي، سواء على المستوى العسكري أو الاستخباراتي أو السياسي، ما يجعل أي تغير في حجم هذا الدعم عاملاً مؤثراً في توازنات الصراع القائمة.

مضيق هرمز وأوراق القوة الإيرانية

يمثل مضيق هرمز أحد أهم أوراق القوة الاستراتيجية بيد إيران، نظراً لكونه ممراً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية. وتدرك طهران أن أي اضطراب في هذا الممر سيؤدي إلى تداعيات مباشرة على أسواق النفط والاقتصاد العالمي، ما يمنحها ورقة ضغط مهمة في مواجهة خصومها.
كما تعتمد إيران على قدرتها في خلق توازن ردع غير مباشر، عبر توسيع دائرة التأثير الإقليمي، وامتلاك أدوات ضغط سياسية وأمنية يمكن استخدامها عند الحاجة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

البعد الدولي: الصين وروسيا

تلعب الصين وروسيا دوراً مهماً في معادلة الصراع، حيث تنظران إلى إيران باعتبارها جزءاً من توازن القوى العالمي في مواجهة النفوذ الأمريكي.
وتستفيد الصين بشكل خاص من العلاقات الاقتصادية والطاقة مع إيران، ما يجعلها حريصة على منع انهيارها أو دفعها إلى عزلة كاملة. وفي المقابل، ترى روسيا في استمرار الضغط على إيران جزءاً من صراع أوسع مع الغرب في مناطق النفوذ الدولي.

التحالفات الإقليمية والضغط المتصاعد

في المقابل، تستمر الولايات المتحدة في بناء تحالفات إقليمية ودولية تهدف إلى احتواء إيران، بالتوازي مع أدوار لبعض دول المنطقة التي ترى في السياسة الإيرانية تهديداً مباشراً لتوازنات الأمن الإقليمي.
لكن هذه السياسات تصطدم بحقيقة أن أي تصعيد واسع قد ينعكس سلباً على أمن الطاقة العالمي، ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتهديد الاستقرار الاقتصادي الدولي.

بين الصمود والاستنزاف

في نهاية المطاف، تبدو إيران أمام معادلة معقدة تقوم على التوازن بين الصمود والاستنزاف. فهي من جهة قادرة على الاستمرار في المواجهة، واستثمار أوراق قوتها السياسية والعسكرية والجغرافية، لكنها من جهة أخرى تواجه ضغوطاً اقتصادية داخلية وتحديات إقليمية متصاعدة.
أما الولايات المتحدة، فرغم تفوقها العسكري والاقتصادي، لا تزال عاجزة عن فرض حسم نهائي، ما يجعل المواجهة بين الطرفين مفتوحة على احتمالات متعددة، دون أفق واضح لنهاية قريبة.
وهكذا، تستمر إيران في “مواصلة المواجهة المفتوحة”، ضمن صراع طويل الأمد يعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، ويجعل المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوازنات غير المستقرة، التي قد تستمر لسنوات قادمة.

الخاتمة

في المحصلة، يبدو أن استمرار صمود إيران في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية يمثل عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل توازنات القوة في المنطقة، وقد يشكل — ولو بشكل مؤقت — عائقاً أمام بعض مشاريع التمدد الإقليمي التي تُنسب إلى إسرائيل، في ظل حالة الاستنزاف المتبادل وتعقيد مسارات الحسم العسكري والسياسي.
كما أن مجريات المواجهة خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، تجد صعوبة في خوض صراع طويل ومفتوح مع إيران دون غطاء ودعم أمريكي وغربي واسع، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الاستخباراتي، وهو ما يعكس طبيعة الترابط القائم في إدارة الصراع داخل المنطقة.
وفي المقابل، يبرز غياب موقف عربي موحد وفاعل كأحد أبرز عناصر الضعف في المعادلة الإقليمية، ما يترك فراغاً استراتيجياً واسعاً، قد ينعكس على مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة، ويزيد من حجم المخاطر والتحديات التي تهدد التوازن الإقليمي برمته.
وفي هذا السياق، يطرح بعض المراقبين خياراً أكثر واقعية على المدى الطويل، يتمثل في إمكانية احتواء إيران ضمن ترتيبات إقليمية تقوم على التفاهم وإدارة المصالح المشتركة، بدلاً من سياسة العداء المفتوح التي استنزفت جميع الأطراف.
فبحكم الموقع الجغرافي والتداخلات الأمنية والاقتصادية، تبدو إيران جزءاً ثابتاً من معادلة الإقليم، ما يجعل فكرة عزلها أو تجاهلها خياراً محدود الجدوى. لذلك فإن بناء مقاربة تقوم على الحوار وتوازن المصالح قد يكون أكثر قدرة على تقليل التوترات، وضمان استقرار طويل الأمد يخدم دول المنطقة كافة، بما فيها دول الخليج والعالم العربي.

  • إدريس أحميد .. كاتب ومحلل سياسي ليبي .

إقرأ المزيد :

انقسام عابر للأطلسي يهدد تماسك حلف الناتو : واشنطن تلوّح بتعليق عضوية إسبانيا بسبب حرب إيران

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى