السفير دكتور محمد حجازي يكتب : دروس القوة الناعمة… وكيف تُستعاد اليوم؟
لم تكن القاهرة عاصمة للنضال الأفريقي بحكم الجغرافيا أو الظرف التاريخي وحده، بل لأنها امتلكت في لحظة فارقة رؤية ورسالة وإرادة. فمن احتضان حركات التحرر، إلى بناء الشبكات السياسية والإعلامية، إلى المساهمة في تأسيس المؤسسة القارية، أدّت القاهرة دورًا مركزيًا جعلها قلب الحركة التحررية الأفريقية في منتصف القرن العشرين. واليوم، لا تكتمل هذه السلسلة دون طرح السؤال الجوهري: ما الذي تعلّمناه؟ وكيف يمكن استعادة هذا الدور في عالم مختلف؟
أول الدروس يتمثل في أن القوة الناعمة ليست خطابًا، بل ممارسة متراكمة. فقد بنت مصر مكانتها الأفريقية عبر أفعال ملموسة: فتح أبوابها للمناضلين، تسخير الإعلام لقضايا التحرر، تحمّل الضغوط الدولية، والمخاطرة السياسية دفاعًا عن مبدأ الاستقلال. هذه الممارسة صنعت ثقة طويلة الأمد، جعلت القاهرة شريكًا لا وسيطًا عابرًا، ومرجعية لا منصة مؤقتة.
الدرس الثاني هو أن الشرعية تُبنى من الانحياز للمبادئ في لحظات الاختبار. حين دعمت القاهرة غينيا في استقلالها الصعب، والجزائر في حربها الشرسة، وجنوب أفريقيا في نضالها الطويل ضد الأبارتهايد، كانت تختار الموقف الأصعب لا الأسهل. هذا الانحياز للمبدأ—لا للمصلحة السريعة—هو ما منح الدور المصري مصداقيته القارية، وحوّله إلى رصيد سياسي استراتيجي.
الدرس الثالث يتعلق بـ تكامل الأدوات. لم تعتمد القاهرة على الدبلوماسية وحدها، ولا على الإعلام وحده، ولا على العلاقات الشخصية بين القادة فقط، بل جمعت بينها جميعًا ضمن رؤية واحدة. السياسة، والإعلام، والتنظيم، والتحالفات الدولية، كلها عملت كمنظومة متكاملة. وهذا التكامل هو ما جعل التأثير عميقًا ومستدامًا، لا موسميًا أو ظرفيًا.
أما الدرس الرابع، فهو أن أفريقيا ليست ملفًا خارجيًا، بل امتدادًا للأمن القومي المصري. هذا الإدراك، الذي حكم سلوك القاهرة في مرحلة التحرر، لا يزال صالحًا اليوم، وإن اختلفت الأدوات والسياقات. فالتحديات المعاصرة—من المنافسة الدولية على القارة، إلى قضايا المياه والغذاء والديون والأمن البحري—تؤكد أن العمق الأفريقي يظل ركيزة أساسية لاستقرار مصر ودورها الإقليمي.
كيف تُستعاد هذه القوة الناعمة اليوم؟
لا تكون الاستعادة بتكرار شعارات الماضي، بل بتحديث المنهج. عبر الاستثمار في الشراكات التنموية الحقيقية، وبناء القدرات، ونقل الخبرة، وتعزيز الحضور الثقافي والإعلامي، وربط المصالح الاقتصادية برؤية سياسية تحترم السيادة الأفريقية. كما تتطلب الاستعادة خطابًا صادقًا يرى في أفريقيا شريكًا كاملًا، لا ساحة نفوذ أو مجال منافسة.
إن استحضار تجربة القاهرة كعاصمة للنضال الأفريقي ليس حنينًا إلى زمن مضى، بل استدعاءً لعقل استراتيجي نجح يومًا في تحويل التاريخ إلى قوة، والمبادئ إلى نفوذ، والتضامن إلى مؤسسة. وفي عالم يشهد عودة الصراعات الصفرية وتكثيف التنافس على أفريقيا، تبدو هذه الدروس أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
لقد كانت القاهرة، حين آمنت بأفريقيا، قادرة على أن تكون صوتها وملاذها ومنصتها. واستعادة هذا الدور اليوم ممكنة، متى توفّرت الرؤية، وتكاملت الأدوات، وتجدّد الإيمان بأن مصر وأفريقيا… مصير واحد وشراكة لا تنقطع.



إقرأ المزيد :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جنوب أفريقيا والقاهرة… مناهضة الفصل العنصري وبناء التضامن الدولي




