اخبار افريقيا

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جومو كينياتا… الأب المؤسس لكينيا الحديثة ” 13 “

في تاريخ الأمم لحظات فارقة يبرز خلالها رجال ينجحون في تجسيد آمال شعوبهم وتطلعاتها إلى الحرية والاستقلال, وفي تاريخ كينيا يحتل جومو كينياتا مكانة استثنائية بوصفه الأب المؤسس للدولة الكينية الحديثة، والقائد الذي ارتبط اسمه بمرحلة الانتقال من الاستعمار إلى الاستقلال، ومن المقاومة إلى بناء الدولة الوطنية.

ولد جومو كينياتا عام 1897 تقريبًا في مجتمع الكيكويو، أكبر المجموعات السكانية في كينيا , وعاصر منذ شبابه المبكر التحولات التي أحدثها الاستعمار البريطاني في بلاده، خاصة ما يتعلق بمصادرة الأراضي الزراعية وحرمان السكان الأصليين من حقوقهم السياسية والاقتصادية ,وقد شكلت قضية الأرض والهوية الوطنية محورًا رئيسيًا في مسيرته السياسية والفكرية.

بدأ كينياتا حياته العامة ناشطًا ومدافعًا عن حقوق الأفارقة، ثم انتقل إلى أوروبا حيث تلقى تعليمًا أكاديميًا واطلع على الأفكار السياسية السائدة آنذاك. وخلال سنوات إقامته في الخارج أصبح أحد أبرز المتحدثين باسم القضية الكينية، وسعى إلى تعريف العالم بمطالب شعبه في الحرية والمساواة وإنهاء الحكم الاستعماري.

ومع تصاعد الحركة الوطنية الكينية بعد الحرب العالمية الثانية، عاد إلى بلاده ليتولى قيادة الاتحاد الإفريقي الكيني، الذي أصبح المظلة السياسية الرئيسية المطالبة بالاستقلال, وفي تلك المرحلة دخلت كينيا فترة مضطربة ارتبطت بثورة “ماو ماو” ضد الاستعمار البريطاني. ورغم الجدل التاريخي حول طبيعة علاقته المباشرة بالحركة، فقد اعتبرته السلطات الاستعمارية رمزًا للمقاومة الوطنية، واعتقلته عام 1952 وحكمت عليه بالسجن لسنوات طويلة.

تحول السجن إلى مصدر إضافي لرمزيته السياسية، وأصبح كينياتا في نظر الكينيين رمزًا لمعاناة شعبهم ونضاله من أجل الحرية, ومع تزايد الضغوط الدولية وتصاعد المطالب الشعبية، أُطلق سراحه عام 1961، ليعود إلى المشهد السياسي قائدًا للحركة الوطنية في مرحلة التفاوض على الاستقلال.

وفي الثاني عشر من ديسمبر 1963 حصلت كينيا على استقلالها، وبعد عام واحد أصبحت جمهورية مستقلة برئاسة جومو كينياتا , وهكذا انتقل الرجل الذي قضى سنوات في السجن إلى قيادة الدولة الجديدة في واحدة من أبرز قصص التحرر الوطني في إفريقيا.

واجه كينياتا تحديات جسيمة في السنوات الأولى للاستقلال. فقد كان عليه أن يوحد مجتمعًا متعدد الأعراق واللغات والثقافات، وأن يبني مؤسسات دولة حديثة قادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية, ولذلك رفع شعارًا بسيطًا لكنه عميق الدلالة: “الوحدة والعمل والتقدم”، مؤكدًا أن بناء الأمة يتطلب تجاوز الانقسامات القبلية والإقليمية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، سعى إلى تشجيع الاستثمار وتوسيع التعليم وتطوير البنية الأساسية، واضعًا أسس النمو الاقتصادي الذي شهدته كينيا خلال العقود اللاحقة, كما انتهج سياسة خارجية متوازنة مكنته من الحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف القوى الدولية في ظل أجواء الحرب الباردة.

وكان كينياتا من المؤمنين بأهمية التضامن الإفريقي، وشارك في دعم جهود التعاون بين الدول الإفريقية المستقلة حديثًا, وقد ارتبط بعلاقات وثيقة مع عدد من قادة التحرر الوطني في القارة، وكان يرى أن استقلال كل دولة إفريقية يمثل إضافة لقوة إفريقيا بأكملها.

ورغم الانتقادات التي وُجهت إلى بعض جوانب حكمه، خاصة فيما يتعلق بتركيز السلطة وتنامي نفوذ النخب السياسية والاقتصادية، فإن مكانته التاريخية بقيت راسخة باعتباره قائد الاستقلال ومؤسس الدولة الكينية الحديثة, فما تحقق في عهده من استقرار نسبي وتأسيس للمؤسسات الوطنية جعل اسمه مرتبطًا بولادة كينيا الجديدة.

وعندما رحل عام 1978، كانت كينيا قد قطعت شوطًا مهمًا في بناء الدولة الوطنية, وبقي إرثه حاضرًا في الذاكرة الكينية والإفريقية باعتباره أحد جيل القادة الذين قادوا شعوبهم من حقبة الاستعمار إلى عصر الاستقلال.

لقد جسد جومو كينياتا تجربة إفريقية فريدة؛ تجربة قائد بدأ حياته مدافعًا عن حقوق شعبه، ثم أصبح رمزًا للتحرر الوطني، وأخيرًا مؤسسًا لدولة حديثة, ومن هنا استحق أن يُذكر بين كبار رواد الاستقلال الإفريقي الذين لم يكتفوا بتحقيق الحرية السياسية، بل سعوا أيضًا إلى بناء الأوطان وترسيخ أسس الدولة الوطنية.

ويبقى اسمه اليوم شاهدًا على مرحلة تاريخية صنعت فيها إفريقيا مستقبلها بجهود أبنائها، وعلى قدرة الشعوب على تحويل النضال من أجل الحرية إلى مشروع لبناء الدولة والتنمية والاستقرار .

نسخة من البوم 2026 06 26T182638.635 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جومو كينياتا… الأب المؤسس لكينيا الحديثة " 13 "
الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مع الرئيس الكيني الأسبق جومو كينياتا
نسخة من البوم 2026 06 26T183055.289 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جومو كينياتا… الأب المؤسس لكينيا الحديثة " 13 "
الزعيم الكيني جومو كينياتا

إقرأ المزيد :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : كينيث كاوندا .. ضمير التحرر الإفريقي وصوت الحرية في الجنوب ” 12 ” 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى