أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب: من عبد الناصر إلى السيسي.. كيف أعادت مصر صياغة دورها في إفريقيا وانتقلت من دعم حركات التحرر إلى شراكة التنمية؟ ” 1 – 2 “

لم تكن إفريقيا بالنسبة لمصر يوما مجرد دائرة من دوائر سياستها الخارجية، ولا امتدادا جغرافيا يفرضه الموقع وحده، وإنما كانت ولا تزال أحد المكونات الأساسية للأمن القومي المصري، وأحد أهم المجالات التي تتجلى فيها قدرة الدولة المصرية على توظيف التاريخ والجغرافيا والسياسة في بناء نفوذ إقليمي مستدام، فمنذ أن انطلقت ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، لم تنظر القاهرة إلى القارة الأفريقية باعتبارها مجالا للتنافس أو الهيمنة، بل باعتبارها شريكا في معركة التحرر، ثم شريكا في بناء الدولة الوطنية، وصولا إلى شريك في التنمية والتكامل الاقتصادي خلال العقود الأخيرة.

ورغم اختلاف السياقات الدولية، وتغير القيادات السياسية، وتحول النظام العالمي من ثنائية القطبية إلى الأحادية ثم إلى التعددية، بقيت الفلسفة الحاكمة للعلاقة المصرية الإفريقية ثابتة في جوهرها؛ إذ ارتكزت على قناعة راسخة بأن أمن مصر يبدأ من عمقها الإفريقي، وأن استقرار القارة ليس عملا تضامنيا أو خيارا دبلوماسيا، بل ضرورة استراتيجية تمس حاضر الدولة المصرية ومستقبلها.

ومن هنا، فإن قراءة تطور الدور المصري في إفريقيا لا ينبغي أن تختزل في المقارنة بين عهد وآخر، أو بين رئيس وآخر، وإنما يجب أن تنطلق من فهم تطور الاستراتيجية المصرية ذاتها، فما بدأ في خمسينيات القرن الماضي بدعم حركات التحرر الوطني، تطور لاحقا إلى بناء المؤسسات، ثم إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية والتنموية، دون أن تتغير المبادئ الأساسية التي حكمت السياسة المصرية تجاه القارة.

جاءت ثورة يوليو في لحظة كانت فيها إفريقيا تحت أحد أكثر أنظمة الاستعمار اتساعا في التاريخ الحديث، ففي مطلع خمسينيات القرن العشرين كانت غالبية دول القارة خاضعة للسيطرة الاستعمارية الأوروبية، ولم يكن عدد الدول المستقلة يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وكانت القاهرة تدرك أن استمرار الاستعمار في الجنوب يعني بقاء مصادر التهديد مفتوحة أمام الأمن القومي المصري، كما كانت تؤمن بأن معركة استقلال مصر لا يمكن أن تكتمل في ظل بقاء الشعوب الإفريقية تحت الاحتلال.

ومن هذا المنطلق، لم تكتف مصر بإعلان تأييدها السياسي لحركات التحرر، بل تحولت إلى مركز رئيسي لدعمها سياسيا وإعلاميا ودبلوماسيا، واستقبلت قادة الحركات الوطنية، ووفرت لهم التدريب والمنابر الإعلامية، وجعلت من إذاعة صوت العرب وسيلة لتوحيد خطاب التحرر الوطني، بينما فتحت جامعاتها ومؤسساتها التعليمية أمام آلاف الطلاب الأفارقة الذين عاد كثير منهم لاحقا ليقودوا دولهم المستقلة.

ولم يكن ذلك الدعم نابعا من اعتبارات أيديولوجية فقط، بل من رؤية استراتيجية مبكرة أدركت أن النفوذ الحقيقي لا يصنع بالسلاح وحده، وإنما ببناء الثقة مع الشعوب، والاستثمار في الإنسان، وصناعة نخب سياسية وإدارية وثقافية ترتبط بمصر بعلاقات علمية وإنسانية عميقة، ولهذا ارتبط اسم القاهرة في الذاكرة الإفريقية بمعارك الاستقلال، تماما كما ارتبط لاحقا بالتعليم، والأزهر، والطب، والهندسة، والتدريب، والعمل الدبلوماسي.

ولعل أبرز تجليات هذه المرحلة كان الدور المصري المحوري في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، باعتبارها أول إطار مؤسسي جامع للدول الإفريقية المستقلة، وهي المنظمة التي أرست مبادئ احترام السيادة، ودعم التحرر، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، قبل أن تتطور لاحقا إلى الاتحاد الإفريقي، ولم يكن هذا الإنجاز مجرد نجاح دبلوماسي، بل تأسيسا لفكرة العمل الإفريقي المشترك، التي لا تزال تمثل حتى اليوم أحد أهم مرتكزات الاستقرار في القارة.

وفي تلك المرحلة، لم تكن مصر تمتلك القدرات الاقتصادية التي تمتلكها اليوم، لكنها امتلكت ما هو أكثر تأثيرا واستدامة، وهو المصداقية السياسية، فقد بنت رصيدها في إفريقيا من خلال المواقف قبل المصالح، ومن خلال الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو ما منحها مكانة استثنائية لم تكن قائمة على النفوذ المالي أو العسكري، وإنما على الثقة والاحترام المتبادل، وهذا الرصيد التاريخي هو الذي سيصبح لاحقا أحد أهم عناصر القوة المصرية في مواجهة التحولات الدولية، وأحد أهم الأصول الاستراتيجية التي أعادت الجمهورية الجديدة توظيفها في بناء شراكات تنموية واقتصادية مع القارة.

غير أن قراءة التاريخ بعين الإنصاف تقتضي الابتعاد عن الانطباعات السريعة التي تصور العلاقة المصرية الإفريقية وكأنها عرفت صعودا مطردا أو تراجعا دائما، فالحقيقة أكثر تعقيدا، فبعد أن نجحت مصر خلال عقدي الخمسينيات والستينيات في ترسيخ مكانتها كأحد أهم الداعمين لحركات التحرر الوطني، دخلت القارة ومعها الدولة المصرية مرحلة جديدة تغيرت فيها الأولويات الداخلية والإقليمية والدولية، فقد فرضت حرب أكتوبر، ثم التحولات الاقتصادية، وإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وتغير موازين القوى الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة، أجندات مختلفة على صانع القرار المصري، انعكس بعضها على وتيرة الانخراط المصري داخل القارة، دون أن يعني ذلك تخلي القاهرة عن ثوابتها الإفريقية.

ففي تلك المرحلة، انتقلت إفريقيا نفسها من معركة الاستقلال إلى تحديات أكثر تعقيدا، تمثلت في بناء الدولة الوطنية، وترسيخ المؤسسات، ومواجهة الانقلابات العسكرية، والصراعات الأهلية، وأزمات الحدود، والانهيارات الاقتصادية، وهي تحديات فرضت على الدول الإفريقية البحث عن شركاء قادرين على نقل الخبرات وبناء القدرات، أكثر من حاجتها إلى الدعم السياسي الذي كان يمثل أولوية المرحلة السابقة.

وأدركت مصر مبكرا طبيعة هذا التحول، فبدأت في إعادة توجيه أدوات حضورها داخل القارة، فبدلا من التركيز على دعم حركات التحرر، توسع دورها في مجالات التدريب، والتعليم، والصحة، والزراعة، والري، والدبلوماسية، وبناء المؤسسات، ولم يكن ذلك تحولا في المبادئ، وإنما تطورا طبيعيا في أدوات السياسة الخارجية يتناسب مع احتياجات إفريقيا الجديدة.

وفي هذا الإطار، لعب الصندوق المصري للتعاون الفني مع إفريقيا، الذي تأسس عام 1980، دورا محوريا في نقل الخبرات المصرية إلى الأشقاء الأفارقة، فلم تعد القاهرة تقدم الدعم من منظور المساندة السياسية فقط، بل أصبحت شريكا في إعداد الكوادر الحكومية، وتأهيل الدبلوماسيين، وتدريب القضاة، ورجال الشرطة، والمهندسين، والأطباء، والمتخصصين في الزراعة والري والإدارة المحلية، وهو ما أسهم في تخريج آلاف الكفاءات التي تولت لاحقا مواقع قيادية في مؤسسات دولها.

وفي الوقت نفسه، استمرت الجامعات المصرية في استقبال أعداد متزايدة من الطلاب الأفارقة، بينما واصل الأزهر الشريف أداء رسالته التاريخية في نشر الفكر الإسلامي الوسطي، من خلال المنح الدراسية وإيفاد المبعوثين، ليصبح أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية في مواجهة موجات التطرف التي بدأت تضرب أجزاء واسعة من القارة منذ تسعينيات القرن الماضي، كما حافظت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على حضورها التاريخي في عدد من الدول الإفريقية، بما عزز جسور التواصل الإنساني والثقافي بين مصر وشعوب القارة.

وفي المجال الصحي، واصلت مصر إرسال القوافل الطبية، واستقبال المرضى، وتدريب الأطباء، والمساهمة في مكافحة الأمراض المتوطنة، بينما شاركت الخبرات المصرية في تنفيذ مشروعات للمياه والري والطرق والإسكان والكهرباء، لتتوسع تدريجيا دائرة التعاون من المجال السياسي إلى المجال التنموي.

كما لم تتراجع مساهمة مصر في دعم السلم والأمن داخل القارة، بل ظلت من أكبر الدول المساهمة بقوات وخبراء في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام في إفريقيا، وشاركت في جهود الوساطة لتسوية النزاعات في السودان والصومال والكونغو الديمقراطية وغيرها، انطلاقا من إدراكها أن استقرار الدول الإفريقية يمثل خط الدفاع الأول عن استقرار الإقليم بأكمله، وأن الفراغ السياسي والأمني يفتح الباب أمام الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، وهي جميعا تحديات تمس الأمن القومي المصري بصورة مباشرة.

لكن، ورغم هذا الحضور السياسي والمؤسسي، ظلت هناك فجوة واضحة بين الرصيد السياسي الذي راكمته مصر عبر عقود، وبين حجم حضورها الاقتصادي داخل القارة، فبينما كانت دول مثل الصين والهند وتركيا والبرازيل، ثم لاحقا دول الخليج، تتوسع في الاستثمارات، وتؤسس مناطق صناعية، وتقدم خطوط تمويل ضخمة، بقيت التجارة المصرية الإفريقية أقل كثيرا من الإمكانات المتاحة، كما ظلت حركة الاستثمارات والربط اللوجستي دون المستوى الذي يتناسب مع مكانة مصر التاريخية.

ولم تكن هذه الفجوة ناتجة عن غياب الإرادة وحدها، وإنما تأثرت أيضا بطبيعة الاقتصاد المصري في تلك الفترة، وضعف شبكات النقل، وغياب التمويل المخصص للتوسع داخل الأسواق الإفريقية، فضلا عن محدودية معرفة القطاع الخاص المصري بفرص الاستثمار في القارة، في وقت كانت فيه قوى دولية وإقليمية تعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي داخل إفريقيا بوتيرة متسارعة.

ومع ذلك، فإن الرصيد الذي بنته مصر خلال أكثر من ستة عقود لم يتآكل، بل ظل حاضرا في وجدان قطاعات واسعة من النخب والشعوب الإفريقية، فقد كانت القاهرة بالنسبة لكثير من الأفارقة رمزا للاستقلال، ومقصدا للتعليم، وشريكا في بناء المؤسسات، وهو ما منحها ميزة لم تكن متاحة لكثير من القوى الصاعدة التي امتلكت المال، لكنها لم تمتلك التاريخ.

وهنا تحديدا برزت المفارقة الاستراتيجية؛ إذ دخل العالم العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بينما كانت إفريقيا تتحول إلى واحدة من أهم ساحات التنافس الدولي، مدفوعة بامتلاكها نحو 30% من الثروات المعدنية العالمية، وأكثر من 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة، واحتياطيات ضخمة من المعادن النادرة اللازمة للصناعات التكنولوجية، إلى جانب كونها القارة الأسرع نموا سكانيا، حيث يتوقع أن يقترب عدد سكانها من 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050. وأمام هذه التحولات، أصبح واضحا أن الرصيد السياسي وحده لم يعد كافيا للحفاظ على المكانة، وأن المرحلة المقبلة ستفرض معادلة جديدة قوامها تحويل التاريخ إلى اقتصاد، والثقة إلى استثمار، والعلاقات السياسية إلى شراكات تنموية مستدامة.

وهكذا، عندما بدأت الجمهورية الجديدة في إعادة صياغة أولويات السياسة الخارجية المصرية بعد عام 2014، لم تكن تنطلق من فراغ، ولم تكن تؤسس علاقة جديدة مع إفريقيا، بل كانت تعيد استثمار إرث تاريخي صنعته أجيال متعاقبة من الدبلوماسيين والخبراء والمعلمين والأطباء والمهندسين والعسكريين المصريين، الذين رسخوا على مدى أكثر من ستين عاما صورة مصر بوصفها دولة شريكة في بناء إفريقيا، لا مجرد دولة تبحث عن مصالحها داخلها.

Former President Gamal Abdel Nasser during a meeting with Julius Nyerere
Former President Gamal Abdel Nasser during a meeting with Julius Nyerere
Screenshot 2026 07 07 003103 رامي زهدي يكتب: من عبد الناصر إلى السيسي.. كيف أعادت مصر صياغة دورها في إفريقيا وانتقلت من دعم حركات التحرر إلى شراكة التنمية؟ " 1 - 2 "
الرئيس جمال عبد الناصر و البابا كيرلس السادس والامبراطور هيلا سلاسي
1245894 0 رامي زهدي يكتب: من عبد الناصر إلى السيسي.. كيف أعادت مصر صياغة دورها في إفريقيا وانتقلت من دعم حركات التحرر إلى شراكة التنمية؟ " 1 - 2 "
تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية

 

إقرأ المزيد :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جمال عبد الناصر… قائد ثورة أعادت بناء مصر وصنعت عصر التحرر العربي والإفريقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى