السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جوناس سافيمبي… قائد “يونيتا” بين حرب التحرير وصراع السلطة في أنغولا

يضم تاريخ إفريقيا شخصيات ارتبطت بحركات التحرر الوطني، ثم أصبحت جزءًا من أكثر الصراعات تعقيدًا في مرحلة ما بعد الاستقلال , ويعد جوناس مالهيرو سافيمبي ” جوناس سافيمبي ” أحد أبرز هذه الشخصيات، فقد بدأ مناضلًا ضد الاستعمار البرتغالي، ثم تحول إلى قائد لحركة الاتحاد الوطني للاستقلال التام لأنغولا (UNITA)، التي خاضت حربًا أهلية طويلة ضد الحكومة الأنغولية, وكانت هذه الحرب واحدة من أكثر النزاعات دموية في القارة، إذ امتدت قرابة سبعة وعشرين عامًا، وتداخلت فيها حسابات الحرب الباردة، بينما ظلت مصر متمسكة بدعم وحدة الدولة الأنغولية، والدعوة إلى الحلول السياسية وإنهاء الاقتتال بين أبناء الوطن الواحد.
ولد جوناس سافيمبي في 3 أغسطس 1934 في إقليم بيي بوسط أنغولا، ونشأ في أسرة تهتم بالتعليم، إذ كان والده يعمل في السكك الحديدية , حصل على منحة دراسية مكّنته من السفر إلى البرتغال، ثم إلى سويسرا، حيث درس العلوم السياسية والطب لفترة قبل أن يتفرغ للعمل السياسي.
انخرط في بداية حياته في الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار البرتغالي، وعمل مع هولدن روبرتو داخل جبهة التحرير الوطنية لأنغولا (FNLA)، لكنه سرعان ما اختلف معها، ليؤسس عام 1966 حركة يونيتا (UNITA)، التي تبنت في بداياتها خطابًا قوميًا يدعو إلى تحرير أنغولا مع الاعتماد على القواعد الشعبية في المناطق الريفية.
ومع حصول أنغولا على استقلالها في 11 نوفمبر 1975 بقيادة الحركة الشعبية لتحرير أنغولا (MPLA) والرئيس أغوستينو نيتو، دخلت البلاد في حرب أهلية بين الحكومة وحركتي يونيتا وFNLA، قبل أن ينحصر الصراع لاحقًا بين الحكومة ويونيتا.
وأصبحت الحرب الأنغولية إحدى ساحات الحرب الباردة، حيث تلقت الحكومة دعمًا من الاتحاد السوفيتي وكوبا، بينما حصلت يونيتا في مراحل مختلفة على دعم من جنوب إفريقيا في عهد الفصل العنصري، ومن الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية، وهو ما أطال أمد الصراع وأدى إلى سقوط مئات الآلاف من الضحايا وتشريد الملايين.
وفي تلك المرحلة، حافظت مصر على موقف ثابت يقوم على دعم وحدة أنغولا واستقلالها، ورفض تقسيمها أو استمرار الحرب الأهلية، مع تأييد جهود منظمة الوحدة الإفريقية الرامية إلى تحقيق المصالحة الوطنية , كما واصلت القاهرة علاقاتها مع الحكومة الأنغولية، انطلاقًا من دعمها التاريخي لحركة MPLA منذ سنوات الكفاح ضد الاستعمار البرتغالي.
ورغم أن سافيمبي امتلك حضورًا سياسيًا وعسكريًا مؤثرًا، وتمكن من السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، فإن استمرار الحرب حال دون تحقيق الاستقرار أو التنمية. وبعد انتهاء الحرب الباردة، جرت محاولات للتسوية، كان أبرزها اتفاق بيسيس (1991)، الذي أتاح إجراء انتخابات تعددية عام 1992.
شارك سافيمبي في الانتخابات الرئاسية، لكنه رفض نتائجها بعد فوز الرئيس جوزيه إدواردو دوس سانتوس، لتندلع الحرب من جديد، في واحدة من أكثر مراحل النزاع عنفًا، قبل أن تتراجع قدرات يونيتا تدريجيًا مع نهاية التسعينيات.
وفي 22 فبراير 2002، قُتل جوناس سافيمبي خلال مواجهة عسكرية مع القوات الحكومية في إقليم موشيكو، لتطوى صفحة استمرت أكثر من ربع قرن من الحرب , وبعد وفاته، وقعت الحكومة ويونيتا اتفاق وقف إطلاق النار، وتحولت الحركة إلى حزب سياسي مدني يشارك في الحياة الديمقراطية الأنغولية.
ويمثل هذا التحول أحد أهم دروس التجربة الأنغولية، حيث انتقلت المنافسة من ساحات القتال إلى صناديق الاقتراع، وبدأت البلاد مرحلة إعادة الإعمار بعد سنوات طويلة من الدمار.
وعندما نستعيد اليوم سيرة جوناس سافيمبي في إطار سلسلة «القاهرة عاصمة النضال الإفريقي»، فإننا نستحضر تعقيدات مرحلة ما بعد الاستقلال، حين واجهت الدول الإفريقية تحديات بناء الدولة في ظل الاستقطاب الدولي, كما نستذكر الدور المصري الذي ظل يدعو إلى وحدة الدول الإفريقية، ورفض الحروب الأهلية، وتغليب الحوار السياسي بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والتنمية.
لقد كان جوناس سافيمبي شخصية محورية في تاريخ أنغولا الحديث؛ بدأ مناضلًا ضد الاستعمار، ثم أصبح طرفًا رئيسيًا في حرب أهلية طويلة تركت آثارًا عميقة على بلاده , ومن ثم، فإن دراسة سيرته لا تكتمل إلا بوضعها في سياقها التاريخي، بعيدًا عن التبسيط أو الأحكام المطلقة، باعتبارها تعكس إحدى أكثر التجارب تعقيدًا في تاريخ إفريقيا المعاصر .

طالع أيضا :




