أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جوزيه إدواردو دوس سانتوس… قائد أنغولا في مرحلة بناء الدولة وتعزيز الشراكة مع القاهرة

شهدت إفريقيا بعد انتهاء موجة التحرر الوطني تحديًا جديدًا لا يقل صعوبة عن معركة الاستقلال، وهو بناء الدولة والحفاظ على وحدتها وسط صراعات الحرب الباردة والتنافس الدولي , ومن بين القادة الذين تصدوا لهذه المرحلة المعقدة، يبرز جوزيه إدواردو دوس سانتوس، الذي قاد أنغولا لأكثر من ثلاثة عقود، وشهدت بلاده في عهده نهاية الحرب الأهلية وبداية مرحلة إعادة الإعمار، بينما حافظت مصر على علاقات وثيقة مع أنغولا، امتدادًا للدعم الذي قدمته لحركة التحرير الأنغولية منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

ولد جوزيه إدواردو دوس سانتوس في 28 أغسطس 1942 في العاصمة لواندا، التي كانت آنذاك تحت الحكم الاستعماري البرتغالي , وانضم في شبابه إلى الحركة الشعبية لتحرير أنغولا (MPLA)، التي أسسها عدد من الوطنيين الأنغوليين، وكان من أبرز قادتها الشاعر والمناضل أغوستينو نيتو.

ومع تصاعد الكفاح ضد البرتغال، اضطر إلى مغادرة البلاد، وتلقى تعليمه الجامعي في الاتحاد السوفيتي، حيث درس هندسة البترول، قبل أن يتولى مسؤوليات سياسية ودبلوماسية داخل الحركة، ممثلًا لها في عدد من العواصم الإفريقية والأوروبية.

وعندما نالت أنغولا استقلالها في 11 نوفمبر 1975، بقيادة الرئيس أغوستينو نيتو، أصبح دوس سانتوس أحد أبرز أركان الدولة الجديدة، وتولى مناصب وزارية ودبلوماسية مهمة، قبل أن يُنتخب رئيسًا للجمهورية عام 1979 عقب وفاة نيتو.

تولى دوس سانتوس الحكم في واحدة من أصعب مراحل تاريخ أنغولا، إذ كانت البلاد غارقة في حرب أهلية بين الحكومة وحركة يونيتا (UNITA)، في صراع امتد لعقود، وتداخلت فيه حسابات الحرب الباردة والمنافسات الإقليمية, ورغم هذه الظروف، عمل على الحفاظ على مؤسسات الدولة، واستمرار الخدمات الأساسية، وتعزيز حضور أنغولا داخل المنظمات الإفريقية والدولية.

وخلال هذه المرحلة، حافظت مصر على علاقاتها مع أنغولا، التي كانت قد بدأت منذ سنوات الكفاح ضد الاستعمار البرتغالي، عندما قدمت القاهرة الدعم السياسي والإعلامي والدبلوماسي لحركة MPLA، واستقبلت عددًا من كوادرها، وساندت استقلال أنغولا في المحافل الدولية.

وشهدت العلاقات المصرية الأنغولية في عهد دوس سانتوس توسعًا في مجالات التعليم، والصحة، والزراعة، والتدريب الفني، كما شاركت الشركات المصرية في عدد من مشروعات البنية التحتية والإعمار، بعد انتهاء الحرب الأهلية، إلى جانب التعاون في مجالات الطاقة، والري، والموارد المائية.

وعلى المستوى الإفريقي، كان دوس سانتوس من القادة الذين عملوا على تعزيز دور منظمة الوحدة الإفريقية، ثم الاتحاد الإفريقي بعد تأسيسه عام 2002، وشارك في جهود تسوية عدد من النزاعات في وسط وجنوب القارة، مستفيدًا من المكانة الإقليمية التي اكتسبتها أنغولا بعد انتهاء الحرب.

وجاءت نقطة التحول الكبرى في عهده عام 2002، عندما انتهت الحرب الأهلية بمقتل زعيم يونيتا جوناس سافيمبي، لتبدأ أنغولا مرحلة جديدة من إعادة البناء , واستفادت البلاد من مواردها النفطية الهائلة في تنفيذ برامج واسعة لإعادة الإعمار، وتطوير الطرق والموانئ والمطارات، وإعادة تأهيل المؤسسات العامة، رغم استمرار التحديات المتعلقة بتنويع الاقتصاد وتحقيق التنمية المتوازنة.

كما لعب دوس سانتوس دورًا في دعم جهود التكامل الإقليمي داخل الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي (SADC)، وساهم في الوساطات المتعلقة بالأزمات في منطقة البحيرات العظمى وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

ورغم ما حققته أنغولا من استقرار ونمو اقتصادي في سنوات عديدة من حكمه، فقد تعرضت حكومته أيضًا لانتقادات تتعلق بقضايا الفساد، وطول فترة بقائه في السلطة، وتفاوت توزيع عوائد النفط , ومع ذلك، يظل تقييم تجربته مرتبطًا بالسياق التاريخي الذي حكم أنغولا خلال العقود التي أعقبت الاستقلال.

وفي عام 2017، قرر عدم الترشح لولاية جديدة، لينتقل الحكم إلى جواو لورينسو، منهياً ثمانية وثلاثين عامًا في رئاسة الدولة، في واحدة من أطول فترات الحكم في إفريقيا ,وتوفي في 8 يوليو 2022 في مدينة برشلونة الإسبانية، بعد مسيرة سياسية امتدت أكثر من نصف قرن.

وعندما نستعيد اليوم سيرة جوزيه إدواردو دوس سانتوس في إطار سلسلة «القاهرة عاصمة النضال الإفريقي»، فإننا نستحضر مرحلة انتقلت فيها العلاقات المصرية الإفريقية من دعم حركات التحرر إلى دعم الدول المستقلة في جهود التنمية وإعادة البناء , فقد ظلت القاهرة ترى في أنغولا شريكًا مهمًا في جنوب القارة، واستمرت في تعزيز التعاون معها في مختلف المجالات.

لقد كان دوس سانتوس أحد أبناء جيل ما بعد التحرير، الذين حملوا مسؤولية الحفاظ على الدولة بعد الاستقلال، ومواجهة تحديات الحرب وإعادة الإعمار, ولهذا يحتل مكانة مهمة في هذه السلسلة، باعتباره أحد القادة الذين ارتبطت مسيرتهم بتطور العلاقات المصرية الأنغولية، وبالتحولات الكبرى التي شهدتها إفريقيا في العقود الأخيرة .

Former Angolan President Jose Eduardo dos Santos and Libyan Colonel Muammar Gaddafi السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جوزيه إدواردو دوس سانتوس… قائد أنغولا في مرحلة بناء الدولة وتعزيز الشراكة مع القاهرة

Former Angolan President Jose Eduardo dos Santos السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جوزيه إدواردو دوس سانتوس… قائد أنغولا في مرحلة بناء الدولة وتعزيز الشراكة مع القاهرة

طالع أيضا :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جوناس سافيمبي… قائد “يونيتا” بين حرب التحرير وصراع السلطة في أنغولا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى