السفير دكتور محمد حجازي يكتب : نحو مبادرة مصرية لإعادة بناء منظومة الأمن والتعاون الإقليمي في الشرق الأوسط
تمر منطقة الشرق الأوسط بلحظة فارقة في تاريخها الحديث؛ لحظة تتقاطع فيها الحرب مع احتمالات التسوية، والانقسام مع الحاجة إلى إعادة البناء، وتتصاعد فيها المخاطر إلى مستوى يهدد بإعادة رسم خريطة الإقليم سياسيًا وأمنيًا واستراتيجيًا , فحرب غزة المستمرة، والغموض الذي يحيط بمستقبل الضفة الغربية، واحتمالات المواجهة المفتوحة مع إيران، والتوترات الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر، كلها مؤشرات تؤكد أن الإقليم لم يعد أمام أزمة عابرة، بل أمام تحول بنيوي شامل يفرض مراجعة عميقة لمعادلات الأمن والاستقرار التي حكمته لعقود.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير من خارج الصندوق… لا لإدارة الأزمات المتلاحقة فحسب، بل لصياغة تصور جديد لمستقبل الإقليم نفسه , وفي هذا السياق، قد تكون اللحظة مواتية لبلورة مبادرة مصرية شاملة للأمن والتعاون الإقليمي، تنطلق من رؤية استراتيجية واسعة تضع الاستقرار والتنمية والتعاون والمصالح المتبادلة في قلب معادلة جديدة للشرق الأوسط.
مبادرة لا تقوم على إدارة التوازنات الهشة، بل على تأسيس منظومة إقليمية جامعة للأمن والتعاون، تشارك فيها القوى العربية والإقليمية والدولية ذات التأثير المباشر في مستقبل المنطقة , وتملك مصر من الرصيد السياسي والمكانة التاريخية والقدرة الدبلوماسية ما يؤهلها لحمل هذا التصور وطرحه في هذه اللحظة الدقيقة.
فمصر تحتفظ بعلاقات واتصالات متوازنة ومؤثرة مع مختلف الأطراف الفاعلة، الرياض، أنقرة، واشنطن، طهران، السلطة الفلسطينية، وإسرائيل.
فمصر هي الدولة العربية الأكثر قدرة على التحرك بين هذه العواصم المختلفة انطلاقًا من رؤية تقوم على الاستقرار لا الاستقطاب، وعلى التسوية لا المواجهة، وعلى الشراكة لا المحاور المغلقة.
ومن هذا المنطلق يمكن تصور تحرك سياسي مصري واسع يبدأ بزيارة إلى المملكة العربية السعودية للتشاور والتنسيق وبناء توافق عربي حول المبادرة وأهدافها الاستراتيجية.
ثم تتجه الحركة إلى تركيا لإدماجها في تصور إقليمي أوسع للأمن والتعاون، بالنظر إلى دورها المؤثر في قضايا شرق المتوسط وغزة وسوريا والبحر الأحمر.
ويواكب ذلك حوار استراتيجي مع الولايات المتحدة لضمان التنسيق مع واشنطن وإطلاعها على أهداف المبادرة ومرتكزاتها السياسية والأمنية.
بعد ذلك تأتي محطة طهران باعتبارها محطة مفصلية لبحث فرص خفض التصعيد ومنع اتساع دائرة المواجهة واحتواء تداعيات المشهد في الخليج، ووضع أسس تفاهمات إقليمية تحمي أمن الخليج والبحر الأحمر وتحفظ سيادة الدول الوطنية وتمنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة.
وفي ختام هذه الجولة، يمكن أن تأتي زيارة إلى إسرائيل بعد إعداد سياسي وأمني ودبلوماسي دقيق تقوده أجهزة الدولة المصرية المختصة ، وبالتنسيق الكامل مع الأطراف المعنية , فهي زيارة تؤكد أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالحرب وحدها بل بتسوية سياسية عادلة وشاملة تعيد فتح الطريق نحو السلام والاستقرار ، وقد تكتسب هذه الزيارة زخمًا كما قد تستدعي في رمزيتها لحظة التحول الكبرى التي صنعتها زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس، ولكن في سياق إقليمي مختلف وتحديات أكثر تعقيدًا واتساعًا.
فالهدف اليوم ليس فقط كسر الجمود السياسي، بل الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء السلام الإقليمي الشامل.
وتستند هذه المبادرة إلى عدة مرتكزات رئيسية: :
أولًا: الوقف الكامل للحرب في غزة ومنع اتساع رقعة الصراع.
ثانيًا: الحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية سياسيًا وجغرافيًا بين غزة والضفة الغربية ورفض أي مسارات تؤدي إلى الفصل الدائم بينهما.
ثالثًا: إطلاق مسار سياسي جاد يفضي إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين.
رابعًا: بناء إطار إقليمي للأمن الجماعي والتعاون المشترك يشمل الأمن المائي بحوض النيل والبحر الأحمر وأمن الخليج وشرق المتوسط.
خامسًا: ربط الأمن بالتنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي والمصالح المشتركة بما يحقق الاستقرار المستدام للجميع.
إن المنطقة تحتاج اليوم إلى رؤية جديدة تتجاوز منطق إدارة الأزمات المؤقتة، وتؤسس لمرحلة يكون فيها الأمن جماعيًا، والسلام شاملًا، والتعاون الإقليمي مصلحة مشتركة لا خيارًا تكتيكيًا مؤقتًا، وفي قلب هذا التحول تبقى مصر، بحكم التاريخ والجغرافيا والدور، قادرة على إطلاق مبادرة تصنع الفارق وتفتح الباب أمام شرق أوسط أكثر توازنًا واستقرارًا وسلامًا:
فليست الدعوة إلى بناء منظومة إقليمية للأمن والتعاون فكرة مستحدثة في العلاقات الدولية، بل هي امتداد لتجارب تاريخية ناجحة أثبتت أن الأمن المستدام لا يتحقق عبر توازنات القوة وحدها، وإنما عبر بناء مؤسسات للتعاون وآليات للحوار وإدارة الخلافات. ولعل تجربة مؤتمر هلسنكي عام 1975 وما تطور عنه لاحقًا من إنشاء منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تمثل نموذجًا بارزًا في هذا المجال، حيث استطاعت الدول الأوروبية، رغم الانقسامات الأيديولوجية الحادة التي فرضتها الحرب الباردة، أن تؤسس إطارًا للحوار والتعاون خفف من احتمالات المواجهة العسكرية ومهد لمرحلة جديدة من الاستقرار الأوروبي.
وقد أكدت أدبيات العلاقات الدولية الحديثة هذه الحقيقة. فـهنري كيسنجر في كتابه «النظام العالمي» أشار إلى أن النظم الإقليمية المستقرة لا تُبنى فقط على توازن القوى، بل على وجود تصور مشترك لقواعد إدارة العلاقات بين الفاعلين الرئيسيين. كما أشار زبيجنيو بريجنسكي في «رقعة الشطرنج الكبرى» إلى أن المناطق التي تفشل في بناء ترتيبات أمنية جماعية تتحول تدريجيًا إلى ساحات تنافس وصراع بين القوى الإقليمية والدولية.
وفي الشرق الأوسط، ظلت محاولات بناء نظام إقليمي جامع محدودة ومتعثرة على مدى العقود الماضية، نتيجة استمرار الصراعات المفتوحة وتضارب المصالح الاستراتيجية وغياب الثقة المتبادلة. غير أن التحولات الراهنة تجعل الحاجة إلى مثل هذا الإطار أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فوفقًا لتقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) ومعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI)، تشهد المنطقة واحدة من أعلى معدلات الإنفاق العسكري في العالم، بينما تستمر النزاعات المسلحة في استنزاف الموارد الاقتصادية والبشرية التي كان يمكن توجيهها إلى التنمية والاستثمار.
ومن هنا تبرز أهمية تبني مفهوم الأمن الأقليمي الشامل الذي يتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية. فالأمن في القرن الحادي والعشرين أصبح يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والأمن المائي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي. وقد أكدت الأمم المتحدة في تقارير التنمية البشرية العربية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن التنمية المستدامة والاستقرار السياسي يمثلان وجهين لعملة واحدة، وأن المجتمعات التي تعاني من اختلالات تنموية عميقة تكون أكثر عرضة للاضطرابات والصراعات.
وفي هذا السياق يكتسب مفهوم الترابط بين المياه والطاقة والغذاء أهمية خاصة. وهو المفهوم الذي تبنته مصر خلال السنوات الأخيرة في العديد من المحافل الدولية والإقليمية، وطرحه الرئيس عبد الفتاح السيسي باعتباره أحد الأسس الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة في أفريقيا والشرق الأوسط. ويستند هذا المفهوم إلى إدراك أن التحديات المتعلقة بالمياه والطاقة والغذاء لم تعد منفصلة، بل أصبحت مترابطة بصورة تجعل التعامل مع أي منها بمعزل عن الأخرى أمرًا غير ممكن.
وتؤكد الخبرات الدولية كذلك أهمية الربط بين الأمن والتنمية الاقتصادية. فقد أظهرت التجربة الأوروبية أن إنشاء الجماعة الأوروبية للفحم والصلب في خمسينيات القرن الماضي لم يكن مجرد مشروع اقتصادي، بل كان في جوهره مشروعًا لبناء السلام من خلال المصالح المشتركة. ومن هذا المنطلق يمكن للشرق الأوسط أن يستفيد من إمكاناته الهائلة في مجالات الطاقة والنقل والتجارة والاقتصاد الرقمي لإنشاء شبكات مترابطة من المصالح تجعل الاستقرار خيارًا استراتيجيًا لجميع الأطراف.
وتشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن المنطقة تمتلك فرصًا ضخمة غير مستغلة في مجالات التكامل الاقتصادي والبنية التحتية العابرة للحدود. كما تؤكد تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) أن حجم التجارة البينية العربية لا يزال أقل بكثير من إمكاناته الفعلية، وهو ما يعكس وجود مساحة واسعة لتعزيز التعاون الاقتصادي كأحد مرتكزات الأمن والاستقرار.
وفي الوقت نفسه، لم يعد ممكنًا الفصل بين الأمن المائي في حوض النيل وامن الملاحة في البحر الأحمر والممرات وتأمين حرية الملاحة فيها ، حيث يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي منظومة إقليمية جديدة للأمن والتعاون.
كما أن معالجة القضية الفلسطينية تظل شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار الإقليمي. فقد أثبتت التجربة أن تجاهل جذور الصراع أو محاولة إدارة الأزمة دون تسوية سياسية عادلة لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العنف بصورة دورية. ولذلك تستند المبادرة المصرية المقترحة إلى المرجعيات الدولية القائمة، وفي مقدمتها قرارات مجلس الأمن 242 و338 و2334، ومبادرة السلام العربية التي أقرتها القمة العربية في بيروت عام 2002، والتي ما زالت تمثل الإطار الأكثر شمولًا لتحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة.
إن الهدف النهائي للمبادرة المصرية المقترحة للامن والتعاون ليس إنشاء تحالف سياسي جديد أو محور إقليمي إضافي، وإنما إطلاق عملية تاريخية لإعادة بناء مفهوم الأمن الإقليمي نفسه وعلي اسس الاندماج الأقليمي وحل التباينات وفي اطار تنمية جغرافية بعيدا عن التحالفات والمواجهات . فبدلًا من أن يكون الأمن معادلة صفرية يحقق فيها طرف مكاسب على حساب طرف آخر، يصبح الأمن منفعة جماعية ترتبط بالاستقرار والتنمية والتكامل الاقتصادي واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والنطاق هنا يكون جغرافيا وعلي غرار الاتحاد الأوربي ، .
وفي هذا الإطار يمكن لمصر، بما تمتلكه من رصيد دبلوماسي وتاريخي وعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، أن تقود حوارًا إقليميًا ودوليًا واسعًا يهدف إلى تأسيس «مؤتمر للأمن والتعاون في الشرق الأوسط» على غرار تجربة هلسنكي الأوروبية، بحيث يشكل منصة دائمة للحوار وتسوية النزاعات وبناء الثقة والتعاون الاقتصادي والأمني. ومن شأن هذا الإطار أن يوفر للمرة الأولى مظلة مؤسسية تجمع الدول العربية والقوى الإقليمية الرئيسية والشركاء الدوليين حول رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة تاريخية شبيهة بتلك اللحظات التي أعادت تشكيل أقاليم أخرى من العالم بعد الحروب الكبرى. وإذا كانت أوروبا قد نجحت في تحويل ساحات الصراع إلى فضاءات للتعاون، فإن الشرق الأوسط يمتلك هو الآخر المقومات اللازمة للانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الشراكة. غير أن تحقيق هذا التحول يتطلب إرادة سياسية ورؤية استراتيجية وقيادة قادرة على الجمع بين الواقعية السياسية والطموح التاريخي. وهنا تحديدًا تبرز الفرصة المصرية؛ ليس فقط لإدارة الأزمات الراهنة، بل للمساهمة في صياغة نظام إقليمي جديد أكثر توازنًا واستقرارًا وعدالة، يربط بين الأمن والتنمية، وبين السلام والازدهار، وبين المصالح الوطنية والمصلحة الإقليمية المشتركة.
ثانيا: عناصر المبادرة المصرية لإعادة بناء منظومة الأمن والتعاون الإقليمي في الشرق الأوسط
تمر منطقة الشرق الأوسط اليوم بلحظة تاريخية فارقة تتجاوز في دلالاتها حدود الأزمات التقليدية التي اعتاد الإقليم التعامل معها خلال العقود الماضية، كالحرب الدائرة في غزة، والتصعيدالعسكري والأستيطاني المستمر في الضفة الغربية، والحروب الممتدة بين الولايات المتحدة و إسرائيل ضد إيران، والتحديات الأمنية المتصاعدة في المضايق البحرية في هرمز والبحر الأحمر، والأزمات المزمنة في سوريا واليمن والسودان وليبيا، كلها ليست سوى مظاهر لأزمة أعمق تتعلق بغياب إطار إقليمي شامل قادر على إدارة التنافسات والصراعات في الششرق الأوسط وتحويلها إلى مسارات للتعاون والاستقرار .
لقد تأسس النظام الإقليمي في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة على مجموعة من التوازنات الهشة والترتيبات الأمنية المؤقتة التي نجحت أحيانًا في احتواء الصراعات، لكنها لم تنجح في بناء سلام مستدام أو منظومة تعاون إقليمي متماسكة. واليوم يبدو واضحًا أن هذه الترتيبات وصلت إلى حدودها القصوى، وأن المنطقة باتت بحاجة إلى رؤية جديدة تتجاوز منطق إدارة الأزمات نحو بناء إطار مؤسسي للأمن والتعاون الأقليمي والتنمية المشتركة، في الأقليم الوحيد في العالم الذي يخلو من اي منظومة للامن والتعاون الاقليمي..
وتكتسب هذه الحاجة أهمية خاصة في ظل التحولات الجارية في النظام الدولي، حيث يشهد العالم انتقالًا تدريجيًا من مرحلة الأحادية القطبية إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، تتزايد فيه أدوار القوى الإقليمية وتتراجع فيه قدرة القوى الكبرى على فرض الاستقرار منفردة، وقد أشار الدكتور هنري كيسنجر في كتابه “النظام العالمي” إلى أن استقرار الأقاليم لا يتحقق فقط عبر موازين القوى، وإنما من خلال التوافق على قواعد مشتركة لإدارة العلاقات بين الفاعلين الرئيسيين، وهو الدرس الذي ما زال الشرق الأوسط في حاجة إلى استيعابه وتطبيقه.
وفي السياق نفسه، أكد زبيجنيو بريجنسكي في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى” أن المناطق التي تفتقر إلى منظومات أمنية جماعية تصبح أكثر عرضة للتدخلات الخارجية والصراعات الممتدة. وإذا كانت هذه الملاحظة قد انطبقت على العديد من مناطق العالم خلال العقود الماضية، فإنها تبدو أكثر انطباقًا على الشرق الأوسط في مرحلته الراهنة.
من هنا تبرز أهمية التفكير في مبادرة مصرية شاملة لإعادة بناء منظومة الأمن والتعاون الإقليمي، تستند إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، وتستفيد من الخبرات الدولية الناجحة، وتستجيب في الوقت نفسه للخصوصيات السياسية والثقافية والجغرافية للمنطقة، وتقدم حل لمعضلة القليم ماذا بعد المواجهة الشاملة مع ايران وتداعياتها ، ونحو صياغة لاتنشئ تحالفات عسكرية تقود لمواجهات جديدة ولكن للبحث عن اطار تنموي يتهدف الامن والاستقرار والتنمية مشابة لأوروبا ولدية بناء مؤسسي وسكرتارية كما هو حال الاتحاد الاوربي ومقارة ولجانة في بروكسل،.
إن فكرة الأمن التعاوني ليست جديدة في العلاقات الدولية. فقد نجحت أوروبا، التي كانت حتى منتصف القرن العشرين مسرحًا لأعنف الحروب والصراعات في التاريخ الحديث، في الانتقال تدريجيًا نحو نموذج مختلف من خلال عملية هلسنكي التي انطلقت عام 1975 وأسفرت لاحقًا عن تأسيس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وقد قامت تلك التجربة على إدراك عميق بأن الأمن لا يمكن أن يكون أحادي الجانب، وأن استقرار أي دولة يرتبط باستقرار جيرانها.
ورغم الفوارق الواضحة بين أوروبا والشرق الأوسط، فإن جوهر الدرس ونمط التجربة ومنهج الحل يظل صالحًا: فالأمن المستدام لا يُبنى على الردع العسكري وحده، بل على الحوار المؤسسي والمصالح المشتركة وآليات بناء الثقة وتسوية النزاعات.
وفي هذا الإطار يمكن لمصر أن تتبنى مبادرة لإطلاق “مؤتمر القاهرة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط”، باعتباره منصة إقليمية دائمة للحوار والتنسيق والتعاون، تجمع الدول العربية والقوى الإقليمية الرئيسية والشركاء الدوليين حول رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة، وتعمل مؤسسة الامن والتعاون تلك علي مخاطبة كل التحديات الاقليمية المطروحة علي صعيد المنطقة في كافة المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية ومجالات النقل والطاقة وحرية الملاحة والموانئ والمالية والاقتصاد والاستثمار والطاقة والمياة والنقل والتعليم والزراعة والصناعة والصحة والخدمات والأنشطة النووية ..
وتستند هذه المبادرة إلى مجموعة من المبادئ المستمدة من ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وعدم جواز ضم الأراضي بالقوة ورفض الاحتلال والأستيطان، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي باعتباره ركيزة للاستقرار طويل الأمد.
ولا تنطلق هذه الرؤية من فراغ، بل تستند إلى خبرة مصر التاريخية في دعم مفاهيم الأمن الجماعي والعمل الإقليمي المشترك. فمنذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، مرورًا بالمساهمات المصرية في حركة عدم الانحياز، ووصولًا إلى جهود الوساطة الإقليمية المعاصرة، ظلت القاهرة تدافع عن فكرة أن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر الهيمنة أو الاستقطاب، وإنما عبر الشراكة والتوازن واحترام المصالح المتبادلة.
وتمنح المكانة الجيوسياسية لمصر وزنًا إضافيًا لهذه المبادرة. فهي الدولة العربية الأكبر سكانًا، وصاحبة الموقع الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، كما أنها تتحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية ممثلًا في قناة السويس، وتتمتع بعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الفاعلة في المنطقة، سواء العربية أو الإقليمية أو الدولية.
وتتجلى أهمية هذه المبادرة بصورة أكبر إذا نظرنا إلى الترابط المتزايد بين القضايا الأمنية والاقتصادية والتنموية, فقد أكدت تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية أصبحا وجهين لعملة واحدة, فالدول التي تعاني من أزمات تنموية مزمنة تصبح أكثر عرضة للاضطرابات الداخلية والصراعات الإقليمية، بينما يشكل النمو الاقتصادي والتكامل التجاري أحد أهم عوامل الاستقرار طويل المدى.
ومن هنا فإن المبادرة المصرية المقترحة لا تقتصر على الجوانب الأمنية التقليدية، وإنما تنطلق من مفهوم الأمن الشامل والوحدة المكانية والجغرافية لأقليم الشرق الاوسط، الذي يربط بين الأمن والدولة والتنمية. ويشمل ذلك الأمن الغذائي والأمن المائي وأمن الطاقة والأمن البيئي والأمن السيبراني، باعتبارها جميعًا مكونات أساسية للأمن القومي والإقليمي في القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا السياق يبرز مفهوم الترابط بين المياه والطاقة والغذاء الذي طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسي في العديد من المحافل الدولية والإفريقية باعتباره أحد الأسس الجديدة للتنمية المستدامة. كما أكد الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في أكثر من مناسبة أن التنمية الاقتصادية الإقليمية والتكامل في البنية التحتية يمثلان الضمانة الحقيقية للاستقرار السياسي والأمني في القارة الأفريقية
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة بالنسبة للشرق الأوسط، الذي يواجه تحديات متزايدة تتعلق بندرة المياه وتغير المناخ والزيادة السكانية والطلب المتنامي على الطاقة والغذاء. وبالتالي فإن أي منظومة أمنية جديدة لا بد أن تتعامل مع هذه التحديات باعتبارها قضايا أمن قومي وليست مجرد ملفات تنموية.
ومن بين أهم عناصر المبادرة المصرية المقترحة الربط بين الأمن المائي في حوض النيل ، وأمن البحر الأحمر ، وبين أمن الخليج العربي وأمن شرق المتوسط في إطار رؤية استراتيجية واحدة. فالتطورات الأخيرة أثبتت أن هذه المسارح لم تعد منفصلة عن بعضها البعض، بل أصبحت تشكل فضاءًجيوسياسيًا مترابطًا، فالمياه والطاقة والتجارة والنقل البحري أصبحت حلقات مترابطة داخل منظومة استراتيجية واحدة. ومن هنا يمكن لمصر أن تطرح مفهوم “الترابط الاستراتيجي بين الأمن المائي والأمن البحري“ باعتباره أحد المداخل الجديدة لإعادة تعريف الأمن الإقليمي ، ومن ثم فإن أمن البحر الأحمر أصبح قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية. ويستدعي ذلك تطوير آليات جماعية للتعاون البحري والأمني بين الدول المعنية، بما يضمن حرية الملاحة وحماية البنية التحتية البحرية وتأمين سلاسل الإمداد العالمية، وفي الرؤية المصرية للأمن الإقليمي، يرتبط أمن البحر الأحمر ارتباطًا وثيقًا بالأمن المائي في حوض النيل، ويمثل البحر الأحمر نموذجًا واضحًا لهذا الترابط. فالممر الممتد من مضيق هرمز إلى بحر العرب ثم باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس وصولًا إلى شرق المتوسط يشكل اليوم شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي. وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة ومنظمة التجارة العالمية إلى أن نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية وحركة التجارة البحرية الدولية تمر عبر هذه الممرات.
أما القضية الفلسطينية، فتظل حجر الزاوية في أي مشروع جاد لإعادة بناء النظام الإقليمي. فقد أثبتت الأحداث المتعاقبة أن تجاهل هذه القضية أو محاولة تجاوزها لم يؤد إلا إلى تفاقم التوترات وتعميق مشاعر عدم الاستقرار، ومن هذا المنطلق تستند المبادرة المصرية إلى المرجعيات الدولية الراسخة، وفي مقدمتها قرارات مجلس الأمن 242 و338 و2334، ومبدأ الأرض مقابل السلام، ومبادرة السلام العربية التي أقرتها القمة العربية في بيروت عام 2002. كما تؤكد على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض أي ترتيبات تؤدي إلى تكريس الانفصال بينهما، والتزاما بالحكم التاريخي لمحكمة العدل الدولية الصادر في يونيو 2024 والذي اكد علي وحدة الجغرافيا الفلسطينية المحتلة بالضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية..
وتتضمن المبادرة خمسة محاور رئيسية:
أولًا: الوقف الشامل للحرب في غزة ومنع اتساع رقعة الصراع إلى جبهات إقليمية أخرى.
ثانيًا: إطلاق عملية سياسية جادة تؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ثالثًا: إنشاء إطار إقليمي مؤسسي للتعاون و للحوار الأمني الأستراتيجي يشمل الدول العربية والقوى الإقليمية الرئيسية.
رابعًا: تطوير منظومة للتعاون الاقتصادي والتنموي تربط بين الأمن والاستقرار والنمو المشترك.
خامسًا: تعزيز التعاون في مجالات المياه والطاقة والغذاء والتغير المناخي باعتبارها قضايا أمن استراتيجي
سادسا : تبني اعلان مبادئ اقليمي يتضمن اسس التعاون ومبادئ التعايش مشابهة لأعلان هيلسنكي 1975..
ولتحقيق هذه الأهداف، يمكن أن تبدأ مصر سلسلة من المشاورات الدبلوماسية الرفيعة تشمل المملكة العربية السعودية باعتبارها شريكًا أساسيًا في أي رؤية عربية للأمن الإقليمي، ثم تركيا باعتبارها فاعلًا مهمًا في معادلات شرق المتوسط وسوريا والبحر الأسود والبحر الأحمر، يلي ذلك حوار استراتيجي مع الولايات المتحدة لضمان التنسيق مع القوة الدولية الأكثر تأثيرًا في المنطقة.
كما ينبغي أن تشمل المشاورات الجمهورية الإسلامية الإيرانية بهدف استكشاف فرص خفض التوتر في مرحلة مابعد الحرب، وبناء الثقة وتطوير تفاهمات إقليمية تحمي أمن الخليج والبحر الأحمر وتحافظ على سيادة الدول الوطنية. وفي مرحلة لاحقة يمكن أن تمتد هذه الجهود إلى إسرائيل في إطار رؤية شاملة للسلام الإقليمي تستند إلى الحقوق الفلسطينية والمرجعيات الدولية والأعتراف بالدولة الفلسطينية ذات السيادة الوطنية علي كامل اراضيها المحتلة عام 1967 .
ويمكن أن تتوج هذه العملية بعقد مؤتمر دولي كبير في القاهرة يضم الدول العربية والقوى الإقليمية الرئيسية والشركاء الدوليين، على غرار مؤتمر هلسنكي 1975 الذي أسس لاحقًا لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
وسوف يتيح هذا المؤتمر تبني اعلان مبادئ اقليمي علي غرار اعلان هلسنكي 1975 , وإنشاء مجموعات عمل متخصصة تتناول ملفات الأمن البحري، وأمن الطاقة، والأمن المائي، والقضية الفلسطينية، والتكامل الاقتصادي والتجاري والاستثماري، والتعليمي والصحي ، والأمن السيبراني، والتغير المناخي، بما يحول الحوار السياسي إلى عملية مؤسسية مستدامة يدار من خلال سكرتارية مهنية تشرف علي لجان عمل في مختلف التخصصات. .
إن الشرق الأوسط يقف اليوم عند لحظة مفصلية شبيهة بتلك التي واجهتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وكما أدرك الأوروبيون آنذاك أن استمرار الصراعات لن يقود إلا إلى مزيد من الدمار، فإن شعوب المنطقة وقادتها باتوا أمام خيار تاريخي مماثل.
فإما الاستمرار في دوائر الاستنزاف والصراع والتنافس الصفري، وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الأمن التعاوني والتنمية المشتركة والمصالح المتبادلة. وبين هذين الخيارين تبرز فرصة مصرية حقيقية لقيادة حوار إقليمي غير مسبوق يعيد صياغة مفهوم الأمن في الشرق الأوسط على أسس أكثر استدامة وعدالة وتوازنًا.
إن هذه المبادرة لا تستهدف فقط معالجة أزمات الحاضر، بل تسعى إلى بناء مستقبل مختلف للمنطقة؛ مستقبل يكون فيه الأمن جماعيًا، والسلام شاملًا، والتنمية حقًا مشتركًا، والتعاون الإقليمي ضرورة استراتيجية لا خيارًا تكتيكيًا مؤقتًا. وفي ظل ما تمتلكه مصر من رصيد تاريخي ودبلوماسي وجيوسياسي، فإنها تبقى الدولة الأكثر قدرة على إطلاق هذا المسار وصياغة رؤية جديدة لشرق أوسط أكثر استقرارًا وازدهارًا وسلامًا.
المراجع المختارة
- ميثاق الأمم المتحدة (1945).
- وثيقة هلسنكي الختامية، مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا (1975).
- قرارات مجلس الأمن 242 (1967)، 338 (1973)، 1515 (2003)، 2334 (2016).
- مبادرة السلام العربية، قمة بيروت (2002).
- Henry Kissinger, World Order, Penguin Press, 2014.
- Zbigniew Brzezinski, The Grand Chessboard, Basic Books, 1997.
- John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics, W.W. Norton.
- Robert Kaplan, The Revenge of Geography, Random House.
- Daniel Yergin, The New Map, Penguin Press.
- Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), Yearbook.
- International Institute for Strategic Studies (IISS), The Military Balance.
- UNDP Arab Human Development Reports.
- ESCWA Reports on Arab Economic Integration.
- World Bank, Middle East and North Africa Economic Updates.
- International Monetary Fund, Regional Economic Outlook: Middle East and Central Asia.
- International Energy Agency (IEA), World Energy Outlook.
- كتابات الدكتور بطرس بطرس غالي حول الدبلوماسية الوقائية والأمن الجماعي.
- دراسات مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية حول الأمن الإقليمي والبحر الأحمر.
- السفير دكتور محمد حجازي .. مساعد وزير الخارجية الأسبق .
إقرأ المزيد :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أغوستينو نيتو… الشاعر الذي قاد أنغولا إلى الحرية ” 15 ”




