السفير دكتور محمد حجازي يكتب : كينيث كاوندا .. ضمير التحرر الإفريقي وصوت الحرية في الجنوب ” 12 ”

في مسيرة التحرر الإفريقي خلال القرن العشرين، برزت أسماء عديدة ارتبطت بالكفاح ضد الاستعمار والتمييز العنصري، لكن قليلين منهم جمعوا بين القيادة السياسية والالتزام الأخلاقي كما فعل كينيث ديفيد كاوندا ” كينيث كاوندا ” , فقد لم يكن مجرد أول رئيس لزامبيا المستقلة، بل كان أحد أبرز رموز إفريقيا في معركة الحرية والكرامة الإنسانية، وأحد الأصوات التي ظلت تدافع عن العدالة والمساواة حتى بعد أن غادر السلطة.
ولد كينيث كاوندا عام 1924 في ما كان يعرف آنذاك بشمال روديسيا، التي أصبحت لاحقًا جمهورية زامبيا , نشأ في أسرة تهتم بالتعليم والعمل العام، فكان والده معلمًا وواعظًا، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في تكوين شخصيته. ومنذ سنوات شبابه الأولى، أدرك التناقض الصارخ بين حقوق المستوطنين الأوروبيين ومعاناة السكان الأفارقة، فاختار أن ينخرط في العمل الوطني دفاعًا عن حق شعبه في الحرية والاستقلال.
وخلال خمسينيات القرن الماضي، تصاعدت الحركة الوطنية في شمال روديسيا بالتوازي مع موجة التحرر التي اجتاحت القارة الإفريقية, وسرعان ما أصبح كاوندا أحد أبرز قادة هذه الحركة، داعيًا إلى الاستقلال عبر النضال السياسي والتنظيم الشعبي, وبعد سنوات من الكفاح، نجحت زامبيا في نيل استقلالها في الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1964، ليتولى كاوندا قيادة الدولة الجديدة كأول رئيس لها.
غير أن استقلال زامبيا لم يكن نهاية النضال بالنسبة إليه، بل بداية مرحلة جديدة من المسؤولية. فقد وجد نفسه يقود دولة تقع في قلب منطقة كانت لا تزال تعاني من الاستعمار والفصل العنصري. فإلى الجنوب كانت روديسيا الجنوبية الخاضعة لحكم الأقلية البيضاء، وإلى الجنوب الأبعد كان نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، بينما كانت حركات التحرر تخوض معاركها في أنغولا وموزمبيق وناميبيا.
في تلك الظروف، اتخذ كاوندا قرارًا تاريخيًا بأن يجعل من زامبيا قاعدة لدعم حركات التحرر الإفريقية. ففتحت بلاده أبوابها للمناضلين والسياسيين الفارين من الاضطهاد، واستضافت مكاتب العديد من حركات التحرر، وقدمت لها الدعم السياسي والدبلوماسي رغم ما ترتب على ذلك من أعباء اقتصادية وأمنية كبيرة. وقد دفع الشعب الزامبي ثمن هذا الموقف من خلال الاعتداءات والضغوط التي تعرضت لها بلاده، لكن كاوندا ظل مؤمنًا بأن حرية زامبيا لا تكتمل ما لم تنل الشعوب المجاورة حريتها أيضًا.
وكانت علاقته بكبار قادة إفريقيا وثيقة، فجمعته شراكات سياسية وفكرية مع الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، والرئيس التنزاني جوليوس نيريري، والرئيس الغاني كوامي نكروما، وغيرهم من رواد العمل الإفريقي المشترك. وقد آمن بأن مستقبل القارة يكمن في التضامن بين شعوبها ودولها، لا في الانقسامات والصراعات.
وعلى المستوى الفكري، طرح كاوندا فلسفة أطلق عليها “الإنسانية الزامبية”، وهي رؤية تجمع بين القيم الإفريقية التقليدية ومبادئ العدالة الاجتماعية والتكافل الإنساني. وكان يرى أن التنمية لا ينبغي أن تنفصل عن الكرامة الإنسانية، وأن الدولة يجب أن تكون أداة لخدمة المواطن لا وسيلة للهيمنة عليه.
ورغم التحديات الاقتصادية التي واجهتها زامبيا، خاصة بسبب اعتمادها الكبير على صادرات النحاس وتقلبات الأسواق العالمية، ظل كاوندا رمزًا للنزاهة والتواضع والالتزام بالقيم الوطنية, وعندما خسر الانتخابات الرئاسية عام 1991، سلم السلطة بصورة سلمية، في سابقة مهمة أكدت احترامه للديمقراطية وإرادة الشعب.
لقد خرج من القصر الرئاسي بالطريقة نفسها التي دخل بها الحياة العامة؛ رجلًا مؤمنًا بأن السلطة وسيلة وليست غاية. ولهذا احتفظ باحترام خصومه قبل أنصاره، وبمكانة خاصة في ذاكرة القارة الإفريقية.
وعندما رحل في عام 2021، لم تنع زامبيا رئيسها السابق فقط، بل ودعت إفريقيا أحد آخر الآباء المؤسسين لجيل الاستقلال, فقد كان شاهدًا على ولادة الدول الإفريقية الحديثة، ومشاركًا في صناعة تاريخها، ومدافعًا صلبًا عن حق شعوبها في الحرية والسيادة.
ويبقى كينيث كاوندا في الذاكرة الإفريقية نموذجًا للقائد الذي جمع بين النضال الوطني والالتزام القاري، وبين الحكمة السياسية والمبدأ الأخلاقي. لقد آمن بأن استقلال الأوطان لا يكتمل إلا بتحرير الإنسان، وأن قوة إفريقيا لا تكمن في مواردها الطبيعية وحدها، بل في قدرتها على التمسك بقيم الحرية والعدالة والتضامن.
ولهذا استحق أن يُذكر بين كبار بناة إفريقيا الحديثة، ليس فقط كرئيس لزامبيا، بل كأحد ضمائر القارة وأصواتها الخالدة في معركة التحرر والكرامة الإنساني.
السفير رجائي نصر: كاوندا ظل ممتنًا لمصر وعبدالناصر حتى آخر أيامه
ويقول السفير رجائي نصر، سفير مصر الأسبق لدى زامبيا، إن الرئيس الزامبي الراحل كينيث كاوندا، الذي كان يُعرف بلقب ” Father of Africa “، ظل طوال حياته يحمل تقديرًا خاصًا لمصر وللرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر , مشيرا إلي أنه كان كلما التقى كاوندا يستمع منه إلى إشادة متكررة بمصر وبدور الرئيس عبدالناصر في دعم حركات التحرر الأفريقية، ويسهب فى وصف ما أرسله الرئيس عبدالناصر من سلاح لزامبيا في نضالها ضد الاستعمار الانجليزى .
وأضاف أن كاوندا، وخلال لقاء جمعهما عام 2015، أعرب عن أمنية شخصية ظل يحتفظ بها رغم تقدمه في العمر، وهي زيارة مصر مجددًا , وبناءً على توصية السفارة المصرية، استجاب الرئيس عبد الفتاح السيسي لهذا الطلب، ووجّه خطابًا رسميًا للزعيم الأفريقي يرحب فيه بزيارته إلى القاهرة.
وأشار السفير المصري الأسبق إلى أن هذه الرغبة تحققت بالفعل، حيث زار كاوندا القاهرة والأهرامات خلال عام 2015، في زيارة وصفها بأنها كانت ذات أهمية كبيرة بالنسبة له. وخلال الزيارة تعرض لوعكة صحية، فوجه الرئيس السيسي بتلقيه العلاج في مستشفى السلام بالدقي على نفقة الدولة المصرية.
وتابع نصر: “عندما زرته في المستشفى كان ممتنًا للغاية لهذه اللفتة الإنسانية الكريمة، كما كان سعيدًا بتحقيق حلمه بزيارة مصر التي طالما وصفها بأنها قلب أفريقيا النابض”.
وأكد سفير مصر الأسبق أن كينيث كاوندا بعد رحيله ترك إرثًا سياسيًا وتاريخيًا كبيرًا، وأن ذكراه ستظل حاضرة في قلوب شعوب القارة الأفريقية.

إقرأ المزيد :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أحمدو أهيدجو… مهندس الوحدة الكاميرونية وباني الدولة الحديثة « 11»




