رغم الخوف وتصاعد الكراهية.. مهاجرون يتمسكون بالبقاء في جنوب أفريقيا رغم دعوات الترحيل والاعتداءات المتزايدة
رويترز
في ظل تصاعد موجات العداء للأجانب في جنوب أفريقيا، يعيش آلاف المهاجرين واللاجئين حالة من الخوف والقلق، لكن كثيرين منهم يؤكدون أن البقاء في البلاد، رغم المخاطر، يظل الخيار الوحيد أمامهم, فبينما دفعت الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين آلاف الأشخاص إلى مغادرة جنوب أفريقيا قبل مظاهرات الثلاثين من يونيو، اختار آخرون البقاء لأن العودة إلى أوطانهم تعني مواجهة الاضطهاد أو الفقر أو فقدان أي فرصة للعيش.
لاجئ إثيوبي يرفض العودة رغم تصاعد الكراهية
أغلق اللاجئ الإثيوبي هيلانا وولدي باب منزله، وجلس يشاهد عبر شاشة التلفزيون آلاف المحتجين الغاضبين وهم يجوبون شوارع جنوب أفريقيا هذا الأسبوع، مطالبين الأجانب، ومن بينهم هو، بمغادرة البلاد.
وقال وولدي إن زوجته وأطفاله الثلاثة، الذين وُلدوا جميعًا في جنوب أفريقيا، عاشوا ساعات من الرعب والخوف أثناء متابعة الاحتجاجات، وذلك أثناء حديثه من متجره الصغير في وسط مدينة ديربان، حيث يبيع القهوة والعدس.
ورغم الأجواء العدائية، يؤكد وولدي أن العودة إلى إثيوبيا ليست خيارًا مطروحًا بالنسبة له، إذ غادر بلاده قبل واحد وعشرين عامًا هربًا من الاضطهاد السياسي , وأوضح قائلاً: “لم يعد لدي منزل أو ممتلكات أو حتى عائلة في إثيوبيا”، مضيفًا أن أشقاءه تعرضوا للسجن هناك.
وبعد انتهاء الاحتجاجات، أعاد فتح متجره في صباح اليوم التالي، خاصة أنه كان من بين المتاجر القليلة التي نجت من أعمال النهب، معربًا عن أمله في أن تمر الأزمة بسلام.
آلاف المهاجرين غادروا… وآلاف آخرون لا يملكون خيار الرحيل
وبينما غادر آلاف المهاجرين جنوب أفريقيا قبل احتجاجات الثلاثين من يونيو، خوفًا من التعرض للعنف، فإن أعدادًا أكبر فضلت البقاء، رغم تصاعد المشاعر العدائية ضد الأجانب، لأنهم لا يجدون مكانًا آخر يلجؤون إليه.
ورغم أن المظاهرات التي شهدتها البلاد يوم الثلاثاء كانت سلمية إلى حد كبير، فإنها شهدت في عدد من المناطق اعتداءات استهدفت الأجانب، إضافة إلى أعمال نهب طالت متاجر يملكها مهاجرون.
وقال وولدي: “الجميع يشعر بخوف أكبر من أي وقت مضى.”
المحتجون يحملون المهاجرين مسؤولية الأزمة الاقتصادية
تستضيف جنوب أفريقيا أكثر من 167 ألف لاجئ وطالب لجوء، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، وهو رقم يظل محدودًا مقارنة بعدد من الدول الأفريقية الأخرى.
فبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تستضيف أوغندا نحو 1.8 مليون لاجئ، بينما تستضيف تشاد نحو 1.2 مليون، وتستضيف كينيا قرابة 850 ألف لاجئ.
أما إجمالي عدد المهاجرين في جنوب أفريقيا فيبلغ نحو ثلاثة ملايين شخص، أي ما يعادل حوالي 4% من إجمالي سكان البلاد، وهي نسبة تعد منخفضة مقارنة بالعديد من دول العالم.
وتؤكد حركة “مارش آند مارش”، التي تقود الاحتجاجات، أنها تعارض الهجرة غير الشرعية فقط، وتنفي أن تكون حملتها معادية للأجانب.
إلا أن المنتقدين يشيرون إلى أن المجموعات التي تحركها هذه الحملة غالبًا ما تستهدف الأجانب بصورة عشوائية، دون التمييز بين المقيمين بصورة قانونية وغير القانونية.
كما يقوم بعض المحتجين بمطالبة المهاجرين بإبراز وثائق إقامتهم، رغم أن الحكومة الجنوب أفريقية شددت في بيانات رسمية متكررة على أن هذا الإجراء غير قانوني، لأن الشرطة وحدها تملك صلاحية طلب تلك الوثائق.
الإحباط الاقتصادي يغذي الاحتجاجات
ويرى عدد من المحتجين الجنوب أفريقيين أن انتشار المتاجر المملوكة للأجانب في أحيائهم يأتي في وقت يعجز فيه كثير من المواطنين عن إيجاد مصادر دخل أو فرص عمل.
وقالت جاسينتا نغوبيسي، زعيمة حركة “مارش آند مارش” والمذيعة الإذاعية السابقة، خلال كلمة ألقتها في الاحتجاجات: “هذا الاقتصاد ملك لشعبنا، لكنه تعرض للاختطاف.”
كما أعلنت نغوبيسي اعتزام الحركة تنظيم مسيرات احتجاجية كل يوم خميس، إلى أن تستجيب الحكومة لمطالبها، وعلى رأسها تنفيذ عمليات ترحيل جماعية للمهاجرين غير النظاميين.
وتعاني جنوب أفريقيا من معدلات بطالة مرتفعة، إذ إن نحو ثلث السكان القادرين على العمل لا يجدون وظائف، كما تتزايد حالة الغضب الشعبي بسبب تراجع الخدمات العامة وارتفاع معدلات الجريمة.
ورغم ذلك، يؤكد باحثون ومتخصصون أن الهجرة ليست السبب الرئيسي وراء هذه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
المهاجرون يدافعون عن دورهم الاقتصادي
من جانبه، رفض دانيال أبيدي، البالغ من العمر 33 عامًا، وهو مهاجر إثيوبي، الاتهامات التي تحمل الأجانب مسؤولية البطالة.
وقال: “الأجانب لا يسرقون وظائف الجنوب أفريقيين، نحن نؤسس أعمالًا صغيرة هنا في جنوب أفريقيا، وندفع الإيجارات.”
وأضاف: “إذا أردتم فتح متجر، فافتحوا متجرًا مثلنا.”
ووصل أبيدي إلى جنوب أفريقيا قبل عشرة أعوام، ويمتلك متجرين صغيرين في منطقة كليرمونت القريبة من مدينة ديربان.
وتعرض أحد المتجرين للنهب الكامل خلال أعمال العنف التي شهدتها المنطقة مساء الثلاثاء، بينما نجا المتجر الآخر من الاعتداءات.
ورغم الخسائر، أعرب عن أمله في إعادة افتتاح المتجر المتضرر بمجرد الانتهاء من إصلاحه.
كما أوضح أن مشروعه الصغير يوفر فرصة عمل لمواطن جنوب أفريقي.
وأكد سكان محليون لوكالة رويترز أن متاجر أخرى تعرضت للنهب في منطقة كليرمونت كانت مملوكة لمهاجرين من الصومال وباكستان.
وأمام أحد تلك المتاجر، كان عدد من العمال يسابقون الزمن لإصلاح الأبواب المحطمة قبل حلول الليل، خوفًا من عودة اللصوص مرة أخرى.
تراجع النشاط التجاري وسط أجواء الخوف
ويحتفظ وولدي دائمًا بملف بلاستيكي يضم شهادة اللجوء الخاصة به، إضافة إلى مستنداته الضريبية وكشوف حساباته البنكية، حتى يتمكن من إثبات وضعه القانوني في أي وقت.
ويقول إنه يضطر إلى إبراز هذه الوثائق مرتين أو ثلاث مرات يوميًا، سواء لعناصر الشرطة أو لأشخاص يدخلون متجره ويطالبونه بإثبات أحقيته في البقاء داخل البلاد.
ويقع متجره في شارع تجاري مزدحم تنتشر فيه المتاجر التي يديرها مهاجرون إثيوبيون.
ورغم استمرار نشاطه، يؤكد أن الحركة التجارية تراجعت بصورة كبيرة.
وقال: “الأعمال لم تعد جيدة… الجميع يخشى المجيء إلى هنا.”
بعد سنوات من العنف… لا يزال متمسكًا بالبقاء
ويقول وولدي إن نظرته إلى جنوب أفريقيا تغيرت كثيرًا بعد سنوات من التعرض للعنف والكراهية.
فقد نجا من حادث إطلاق نار عام 2008، كما تعرضت أعماله لموجات من أعمال النهب المرتبطة بالعنف ضد الأجانب في عامي 2015 و2021.
ومع ذلك، ورغم كل ما مر به، لا يزال مقتنعًا بأن البقاء في جنوب أفريقيا أفضل من العودة إلى إثيوبيا، حيث لم يعد يملك أي مقومات للحياة.
واختتم حديثه قائلاً: “أنا أعمل وأكسب رزقي هنا… ولا أعرف لماذا هم غاضبون منا.”
إقرأ المزيد :




