أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : سيريتسي خاما .. من القاهرة إلى غابورون  .. عندما احتضنت مصر أحد رواد الكفاح الإفريقي ” 16 “

لم تكن القاهرة خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مجرد عاصمة لدولة عربية وإفريقية كبرى، بل كانت عاصمة للنضال الإفريقي ومركزًا سياسيًا وفكريًا احتضن قادة التحرر الوطني من مختلف أنحاء القارة, ومن بين الشخصيات التي ارتبطت بهذه المرحلة التاريخية الزعيم البوتسواني سيريتسي خاما، الذي تحول من أمير شاب يواجه التمييز والاستعمار إلى مؤسس دولة أصبحت لاحقًا واحدة من أنجح التجارب السياسية والتنموية في إفريقيا.

ولد سيريتسي خاما عام 1921 وريثًا لعرش قبيلة البامانغواتو في محمية بيتشوانالاند البريطانية، التي أصبحت فيما بعد جمهورية بوتسوانا , ومنذ شبابه المبكر وجد نفسه في مواجهة نظام دولي وإقليمي قائم على التمييز العنصري والاستعمار. وقد تحولت حياته إلى قضية سياسية دولية عندما تزوج من البريطانية روث ويليامز في أواخر الأربعينيات، الأمر الذي أثار غضب نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا ودفع السلطات البريطانية إلى نفيه عن وطنه سنوات طويلة استجابة لضغوط سياسية وإقليمية.

لكن ما أرادته القوى الاستعمارية نهاية لمسيرته السياسية تحول إلى بداية مرحلة جديدة من النضال الوطني. فقد اكتسب خاما خلال سنوات المنفى خبرة سياسية واسعة، وأصبح رمزًا لمقاومة التمييز العنصري والتدخل الخارجي في شؤون الشعوب الإفريقية, ومع تصاعد موجة التحرر الوطني في القارة خلال الخمسينيات والستينيات، انضم إلى جيل القادة الأفارقة الذين آمنوا بحق شعوبهم في الاستقلال والسيادة الوطنية.

وفي تلك المرحلة كانت القاهرة بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر تمثل قبلة لحركات التحرر الإفريقية ومركزًا رئيسيًا لدعم الكفاح ضد الاستعمار والعنصرية , وقد فتحت مصر أبوابها أمام المناضلين الأفارقة، وقدمت الدعم السياسي والإعلامي والدبلوماسي لقضاياهم في المحافل الدولية, وفي هذا المناخ التحرري الواسع، وجدت القيادات الوطنية الإفريقية في القاهرة منبرًا يعبر عن تطلعاتها ويمنحها الدعم المعنوي والسياسي في مواجهة القوى الاستعمارية.

كان سيريتسي خاما جزءًا من ذلك الجيل الذي استفاد من الزخم التحرري الذي صنعته القاهرة, فالقضية التي خاضها لم تكن تخص شعب بوتسوانا وحده، بل كانت جزءًا من المعركة الإفريقية الأشمل ضد الاستعمار والتمييز العنصري, وقد أدرك، كما أدرك عبد الناصر وكوامي نكروما وجوليوس نيريري وكينيث كاوندا، أن استقلال أي دولة إفريقية يمثل خطوة إلى الأمام في مسيرة تحرير القارة بأكملها.

وبعد سنوات من النضال السياسي عاد خاما إلى بلاده ليقود الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال , وأسس الحزب الديمقراطي البوتسواني الذي نجح في توحيد قطاعات واسعة من المجتمع خلف مشروع الاستقلال وبناء الدولة, وعندما حصلت بوتسوانا على استقلالها في الثلاثين من سبتمبر عام 1966، أصبح سيريتسي خاما أول رئيس للجمهورية الجديدة.

غير أن الإنجاز الحقيقي لخاما لم يكن في تحقيق الاستقلال فحسب، بل في قدرته على تحويل دولة فقيرة محدودة الموارد والبنية التحتية إلى نموذج إفريقي ناجح في الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية, فقد آمن بأن التحرر الوطني لا يكتمل بخروج المستعمر، بل يتطلب بناء مؤسسات قوية وإدارة رشيدة للموارد وتحقيق المصالحة الوطنية.

كما حافظ على موقف ثابت ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وقدم الدعم السياسي للقوى المناهضة للعنصرية في المنطقة، مؤكدًا أن حرية بوتسوانا لا تنفصل عن حرية جيرانها, وهكذا بقي جزءًا من جبهة إفريقية واسعة ضمت نيريري وكاوندا ونجوما وغيرهم من قادة التحرر في الجنوب الإفريقي.

لقد جسدت تجربة سيريتسي خاما أحد الأوجه المهمة لدور القاهرة كعاصمة للنضال الإفريقي, فالقاهرة لم تدعم فقط الثورات المسلحة وحركات التحرير التقليدية، بل ساندت أيضًا القادة الذين اختاروا طريق النضال السياسي والدبلوماسي لبناء دول مستقلة وقادرة على تحقيق التنمية والاستقرار.

وعندما رحل سيريتسي خاما عام 1980، كان قد ترك وراءه دولة مستقرة ومؤسسات راسخة ورؤية واضحة للمستقبل, أما في الذاكرة الإفريقية، فقد بقي واحدًا من الجيل المؤسس للاستقلال، وجزءًا من ملحمة التحرر التي لعبت فيها القاهرة دور القلب النابض والبيت الكبير الذي احتضن آمال القارة في الحرية والسيادة.

إن قصة سيريتسي خاما تؤكد أن النضال من أجل إفريقيا لم يكن حكرًا على ساحات القتال، بل امتد إلى قاعات التفاوض ومنابر السياسة ومؤسسات الدولة, كما تذكرنا بأن القاهرة، عاصمة النضال الإفريقي، كانت حاضرة في مختلف محطات هذه المسيرة، داعمة لكل من آمن بحق إفريقيا في أن تكون سيدة قرارها وصانعة مستقبلها .

نسخة من البوم 2026 07 05T205239.858 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : سيريتسي خاما .. من القاهرة إلى غابورون  .. عندما احتضنت مصر أحد رواد الكفاح الإفريقي " 16 "
رئيس بتسوانا الأسبق سيريتسي خاما
نسخة من البوم 2026 07 05T205112.665 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : سيريتسي خاما .. من القاهرة إلى غابورون  .. عندما احتضنت مصر أحد رواد الكفاح الإفريقي " 16 "
رئيس بتسوانا الأسبق سيريتسي خاما

إقرأ المزيد :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أغوستينو نيتو… الشاعر الذي قاد أنغولا إلى الحرية ” 15 ” 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى