السفير دكتور محمد حجازي يكتب : نيلسون مانديلا… من زنزانة روبن آيلاند إلى ضمير إفريقيا والعالم

في تاريخ الشعوب لحظات نادرة تتجاوز فيها شخصية واحدة حدود الوطن لتصبح رمزًا إنسانيًا عالميًا, وفي تاريخ إفريقيا الحديث لم تحظ شخصية بمكانة أخلاقية وسياسية تضاهي المكانة التي احتلها نيلسون روليهلاهلا مانديلا ” نيلسون مانديلا ” , فقد جسد في حياته معاني المقاومة والصبر والتسامح والمصالحة، وتحول من سجين سياسي إلى رئيس دولة، ومن مناضل مطارد إلى أحد أكثر الشخصيات احترامًا في العالم.
ولد نيلسون مانديلا Nelson Mandela عام 1918 في منطقة ترانسكاي بجنوب إفريقيا، في مجتمع كان يعيش تحت نظام تمييز عنصري أخذ يزداد قسوة مع الوقت حتى تحول إلى منظومة سياسية وقانونية متكاملة عرفت باسم “الأبارتهايد”. ومنذ سنوات شبابه الأولى أدرك أن الصراع في بلاده ليس مجرد نزاع سياسي، بل معركة من أجل الكرامة الإنسانية والحق في المواطنة.
التحق بالمؤتمر الوطني الإفريقي الذي كان يقود النضال ضد التمييز العنصري، وسرعان ما برز كأحد أكثر قياداته حيوية وتأثيرًا , ومع تصاعد قمع النظام العنصري وتزايد إغلاق أبواب العمل السياسي السلمي، شارك في تأسيس الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الإفريقي “رمح الأمة”، مقتنعًا بأن النظام الحاكم لم يعد يترك للشعب الجنوب إفريقي أي وسيلة أخرى للدفاع عن حقوقه.
وفي عام 1962 اعتقل مانديلا، وبعد محاكمة ريفونيا الشهيرة صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد , كان الهدف من سجنه القضاء على رمز المقاومة، لكن ما حدث كان العكس تمامًا, فقد تحولت زنزانته في جزيرة روبن آيلاند إلى رمز عالمي للحرية، وتحول الرجل الغائب عن شعبه إلى الحاضر الأكبر في وجدان الملايين.
قضى مانديلا سبعة وعشرين عامًا خلف القضبان، وهي مدة تكفي لتحطيم إرادة أي إنسان. لكنه خرج من السجن أكثر قوة واتزانًا مما دخل. وخلال تلك السنوات لم تتوقف معركة التحرير. ففي الخارج قاد Oliver Tambo حملة دبلوماسية عالمية لحشد التأييد للمؤتمر الوطني الإفريقي، بينما تحولت عواصم إفريقية عديدة إلى مراكز دعم للنضال الجنوب إفريقي.
وكانت القاهرة، منذ عهد Gamal Abdel Nasser، من أوائل العواصم التي احتضنت قضية جنوب إفريقيا ورفضت نظام الفصل العنصري, كما لعبت دار السلام بقيادة نيريري، ولوساكا بقيادة كاوندا، ومابوتو بقيادة سامورا ماشيل، وأكرا وكوناكري والجزائر، أدوارًا محورية في دعم حركة التحرر الجنوب إفريقية.
وهكذا لم يكن نضال مانديلا معركة جنوب إفريقية فقط، بل أصبح جزءًا من المشروع التحرري الإفريقي الذي حمل رايته ناصر ونكروما ولومومبا ونيريري وكاوندا ونجوما ونيتو وغيرهم من رواد الاستقلال.
ومع نهاية الثمانينيات بدأت موازين القوى تتغير, فقد أصبح نظام الأبارتهايد معزولًا دوليًا، وازدادت الضغوط الاقتصادية والسياسية عليه. وفي الحادي عشر من فبراير 1990 خرج مانديلا من السجن وسط متابعة العالم بأسره. وكان ذلك المشهد أحد أهم المشاهد السياسية في القرن العشرين.
لكن العظمة الحقيقية لمانديلا لم تكن في خروجه من السجن، بل في ما فعله بعد ذلك, فقد كان قادرًا على قيادة بلاده نحو الانتقام، لكنه اختار المصالحة , وكان قادرًا على تأجيج الأحقاد، لكنه اختار بناء دولة تتسع للجميع , وأدرك أن مستقبل جنوب إفريقيا لا يمكن أن يقوم على هزيمة طرف لطرف آخر، بل على إقامة عقد وطني جديد يقوم على المساواة والعدالة.
قاد مانديلا مفاوضات تاريخية مع الرئيس فريدريك دي كليرك، انتهت بإجراء أول انتخابات ديمقراطية متعددة الأعراق عام 1994, وفي تلك الانتخابات انتصر حلم طال انتظاره، وأصبح مانديلا أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا.
ولعل أحد أعظم إنجازاته تمثل في دعمه إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة بقيادة الأسقف Desmond Tutu، التي سعت إلى معالجة جراح الماضي عبر كشف الحقيقة والمسامحة بدلاً من الانتقام , وقد أصبحت هذه التجربة نموذجًا عالميًا في العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
لم يكن مانديلا رئيسًا تقليديًا , فقد نظر إلى السلطة باعتبارها وسيلة لخدمة الوطن لا غاية في حد ذاتها ,ولذلك قرر طواعية عدم الترشح لولاية ثانية، مقدمًا نموذجًا نادرًا في القارة والعالم, وبعد مغادرته السلطة تفرغ للعمل الإنساني والدفاع عن حقوق الإنسان ومكافحة الفقر والأمراض.
وقد حافظ طوال حياته على وفائه للدول والقادة الذين ساندوا نضال شعبه, فكان يتحدث بتقدير كبير عن نيريري وكاوندا وسامورا ماشيل وأوليفر تامبو، كما لم ينس دعم مصر التاريخي للقضية الجنوب إفريقية منذ عهد عبد الناصر.
عندما رحل مانديلا عام 2013، لم يكن العالم يودع رئيسًا سابقًا فقط، بل كان يودع رمزًا أخلاقيًا استثنائيًا, فقد نجح في أن يحول معاناته الشخصية إلى رسالة إنسانية عالمية، وأن يجعل من تجربة جنوب إفريقيا درسًا في إمكانية انتصار العدالة دون السقوط في دوائر الكراهية والانتقام.
وهكذا، إذا كان نكروما قد افتتح عصر استقلال إفريقيا، وإذا كان لومومبا قد جسد ثمن الحرية، وإذا كان نيريري وكاوندا قد حملا راية التضامن القاري، فإن مانديلا مثل تتويجًا لمسيرة امتدت نصف قرن من النضال الإفريقي, ومن هنا تبدو قصته خاتمة طبيعية لسلسلة “القاهرة عاصمة النضال الإفريقي”، لأنها تروي النهاية المشرقة لرحلة طويلة بدأت بأحلام التحرر وانتهت بانتصار الحرية والكرامة الإنسانية،
وقاد بطل من ارض النيل وهو الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مسيرة الأبطال وقادها نحو النصر ونحو الاستقلال.

إقرأ المزيد :




