أخبار عاجلةالرأي

الكاتب والمحلل السياسي الليبي إدريس احميد يكتب : ثورة 23 يوليو.. ملحمة نضالية سطرتها مصر

تحل الذكرى الرابعة والسبعون لـ ثورة 23 يوليو 1952، التي تُعد واحدة من أبرز المحطات في التاريخ المصري والعربي الحديث , فلم تكن الثورة مجرد تغيير في نظام الحكم، بل شكلت مشروعًا وطنيًا متكاملًا لإعادة بناء الدولة المصرية، واستعادة قرارها الوطني، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وإعادة مصر إلى موقعها الطبيعي كدولة محورية في محيطها العربي والأفريقي والدولي.
جاءت الثورة حاملةً أهدافًا سياسية واجتماعية واقتصادية، كان في مقدمتها إنهاء النظام الملكي، وبناء دولة تعبر عن تطلعات المواطن المصري، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومنح الفئات البسيطة فرصة للمشاركة في بناء الوطن، إلى جانب إطلاق برامج للإصلاح الزراعي وتعزيز دور الدولة في التنمية.
وعلى الصعيد الخارجي، أعادت الثورة رسم ملامح السياسة المصرية، فتبنت نهجًا يقوم على الاستقلال الوطني، ومواجهة الاستعمار والهيمنة الأجنبية، ودعم حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير , ولم يقتصر هذا الدعم على المواقف السياسية، بل امتد إلى تقديم الخبرات والمساندة للعديد من الدول التي كانت تخوض نضالها من أجل الاستقلال في أفريقيا وآسيا والعالم العربي.
ولم يقتصر تأثير ثورة يوليو على محيطها العربي والأفريقي، بل امتد إلى الساحة الدولية، حيث لعبت مصر دورًا محوريًا في تأسيس حركة عدم الانحياز التي أُعلن عن قيامها رسميًا في مؤتمر بلغراد عام 1961. وجاء تأسيس الحركة تعبيرًا عن رغبة الدول المستقلة حديثًا في انتهاج سياسة خارجية مستقلة بعيدًا عن الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي خلال الحرب الباردة. ويُعد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، إلى جانب الرئيس اليوغوسلافي جوزيب بروز تيتو، ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، من أبرز الآباء المؤسسين للحركة.
كما امتد الحضور المصري إلى القارة الأفريقية، حيث ساهمت مصر في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1963، إيمانًا منها بوحدة القارة، ودعم حركات التحرر الوطني، وتعزيز التعاون بين الدول الأفريقية المستقلة. وقد أسهم هذا الدور في ترسيخ مكانة مصر كأحد أبرز الفاعلين في أفريقيا، قبل أن تتطور المنظمة لاحقًا إلى الاتحاد الأفريقي.
وشكل العدوان الثلاثي عام 1956 أحد أهم الاختبارات التي واجهتها الثورة في سنواتها الأولى، إلا أن صمود مصر سياسيًا وعسكريًا وإجبار قوات العدوان على الانسحاب عُدّ انتصارًا تاريخيًا عزز مكانتها ورسخ حضورها على المستويين العربي والدولي.
وفي إطار مشروعها القومي، سعت الثورة إلى تعزيز التضامن العربي، فتجسدت هذه الرؤية في قيام الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، كما شاركت مصر في دعم الجمهورية في اليمن انطلاقًا من رؤيتها للحفاظ على وحدة اليمن واستقراره خلال تلك المرحلة.
وظلت القضية الفلسطينية في صدارة أولويات السياسة المصرية منذ قيام الثورة، واستمر هذا الالتزام عبر العقود، وإن اختلفت الوسائل والأدوات وفقًا للمتغيرات السياسية والإقليمية، إلا أن دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بقي أحد الثوابت في السياسة المصرية.
ولم يكن تأثير ثورة يوليو محصورًا داخل مصر، بل امتد إلى مختلف أنحاء الوطن العربي، حيث هتفت لها الشعوب العربية، ورأت فيها بداية مرحلة جديدة من التحرر والكرامة والوحدة. كما حظي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ومعه الضباط الأحرار، بمكانة خاصة في وجدان الجماهير العربية، التي رأت في التجربة المصرية مصدر إلهام وأمل في بناء الدولة الوطنية المستقلة.
وأستحضر هنا موقفًا إنسانيًا لا يزال حاضرًا في ذاكرتي , فقد كانت والدتي، رحمها الله، تروي لي أن والدي، رحمه الله، وكان شغوفًا بمتابعة السياسة، عاد إلى المنزل يوم إعلان وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، وقال لها بحزن بالغ: “عبد الناصر مات ” , وتقول إن وقع الخبر كان قاسيًا عليها، فلم تتمالك نفسها وانهمرت دموعها، شأنها شأن ملايين العرب الذين شعروا يومها بأنهم فقدوا قائدًا ارتبط اسمه بالتحرر والوحدة والكرامة العربية.
واليوم، وبعد مرور أربعة وسبعين عامًا على ثورة الثالث والعشرين من يوليو، لا تزال مصر تحتفظ بمكانتها ودورها كفاعل رئيسي على المستويات العربية والأفريقية والدولية, ورغم تغير الظروف والتحديات عبر العقود، فإن ثقلها السياسي والاستراتيجي ظل حاضرًا في مختلف القضايا الإقليمية والدولية، مستندًا إلى تاريخها وموقعها الجغرافي وإمكاناتها. وتواصل القاهرة أداء دورها في دعم الأمن والاستقرار، والدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والتصدي للتحديات التي تواجه المنطقة، بما يعكس استمرارية الدولة المصرية ودورها المؤثر في صناعة التوازنات الإقليمية والدولية.
لقد كانت ثورة الثالث والعشرين من يوليو أكثر من مجرد حدث سياسي؛ فقد مثلت مشروعًا لبناء الدولة، ورسخت مكانة مصر عربيًا وأفريقيًا ودوليًا، وتركت إرثًا لا يزال حاضرًا في الذاكرة العربية، باعتبارها إحدى المحطات الفارقة التي أسهمت في تشكيل تاريخ المنطقة الحديث .

 

طالع أيضا :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جمال عبد الناصر… قائد ثورة أعادت بناء مصر وصنعت عصر التحرر العربي والإفريقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى