رامي زهدي يكتب : عندما تتحول التنمية إلى ذريعة لفرض الأمر الواقع .. قراءة استراتيجية في الخطاب الإثيوبي المُختلق حول سد النهضة

في كل مرة تقترب فيها مصر من إعادة طرح قضية سد النهضة على الساحة الدولية، أو تؤكد تمسكها بحقوقها التاريخية والقانونية في مياه النيل، يخرج علينا بعض الباحثين والكتاب والسياسيين الإثيوبيين بخطاب متكرر يقوم على ثلاث ركائز ثابتة: تصوير مصر باعتبارها دولة تعادي التنمية في إثيوبيا، والادعاء بأنها سعت لعقود إلى عرقلة المشروعات المائية الإثيوبية، ثم الادعاء بأن نجاح بناء سد النهضة يمثل هزيمة سياسية واستراتيجية لمصر، وأنه يفتح الباب أمام تنفيذ عشرات المشروعات الأخرى دون اعتبار لموقف ومصالح دولتي المصب مصر والسودان .
هذا الخطاب، رغم كثرة ترديده، لا يصمد أمام الحقائق القانونية أو الوقائع التاريخية أو حتى المنطق السياسي.. فمصر لم تكن يوما ضد التنمية في إثيوبيا، كما أنها لم تعترض على حق أي دولة في استغلال مواردها الطبيعية بما يحقق التنمية لشعبها، بل إن القاهرة كانت ولا تزال من أكبر الداعمين لمشروعات التنمية في القارة الإفريقية بصفة عامة ودول حوض النيل بصفة خاصة، وساهمت عبر عقود في تنفيذ آلاف المشروعات التنموية في عشرات الدول الإفريقية، انطلاقا من قناعة راسخة بأن التنمية المشتركة هي أساس الأمن والاستقرار.
الخلاف الحقيقي لم يكن أبدا حول “التنمية”، وإنما حول منهج إدارة التنمية، فالقانون الدولي لا يمنح أي دولة الحق في إقامة مشروع ضخم على نهر دولي بطريقة منفردة إذا كان من شأن ذلك إحداث ضرر ذي شأن لدول المصب، وهذه ليست وجهة نظر مصرية، وإنما أحد المبادئ الأساسية المستقرة في اتفاقية الأمم المتحدة لاستخدام المجاري المائية الدولية لعام 1997، وفي قواعد القانون الدولي العرفي، والتي تقوم على مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر جسيم، والإخطار المسبق والتشاور.
إثيوبيا تحاول منذ سنوات استبدال هذا النقاش القانوني بنقاش سياسي وعاطفي، فتقدم نفسها باعتبارها ضحية لدولة تريد احتكار النيل، بينما تتجاهل حقيقة أنها الدولة الوحيدة في حوض النيل التي شرعت في إنشاء أكبر سد في إفريقيا دون اتفاق قانوني ملزم مع دولتي المصب، ثم أعلنت اكتمال الملء والتشغيل بشكل أحادي، في سابقة خطيرة تهدد مستقبل إدارة الأنهار الدولية.
أما الادعاء بأن مصر حاولت منع تمويل المشروعات الإثيوبية، فهو يحتاج إلى دليل لا إلى خطاب إعلامي، فالعلاقات الدولية لا تبنى على الروايات السياسية، وإنما على الوثائق وحتى اليوم لم تقدم إثيوبيا دليلا قانونيا واحدا يثبت وجود قرار أو تحرك مصري يمنع التنمية الإثيوبية بحد ذاتها، بينما توجد عشرات الوثائق التي تثبت أن اعتراضات مصر كانت مرتبطة فقط بغياب الدراسات المشتركة، وانعدام الضمانات الخاصة بأمنها المائي.
ومن اللافت أن بعض الخطابات الإثيوبية تحاول تصوير عدم قدرة مصر على وقف بناء السد باعتباره دليلا على فقدانها التأثير الإقليمي، وهذه قراءة سطحية تتجاهل أن السياسة ليست مباراة صفرية، وأن الدول الرشيدة لا تقاس بقدرتها على استخدام القوة، وإنما بقدرتها على إدارة الأزمات وفق القانون الدولي والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
لقد اختارت مصر، رغم امتلاكها خيارات عديدة، طريق التفاوض، وشاركت في أكثر من ثلاثة عشر عاما من المفاوضات برعاية الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة والبنك الدولي، وقدمت عشرات المقترحات الفنية والقانونية للوصول إلى اتفاق متوازن يحقق التنمية الإثيوبية ويحفظ الأمن المائي المصري والسوداني، ولو كانت مصر بالفعل تسعى إلى منع التنمية، لما دخلت هذا المسار الطويل من التفاوض، ولما أعلنت مرارا قبولها بقيام السد من حيث المبدأ، بشرط الاتفاق على قواعد واضحة وملزمة لملئه وتشغيله.
الحقيقة التي يتجاهلها الخطاب الإثيوبي أن التنمية لا تكتسب شرعيتها من حجم المشروع، وإنما من احترامها للقانون، فالطريق الذي تسلكه إثيوبيا اليوم قد يتحول غدا إلى سابقة تستخدمها دول أخرى ضدها في الأحواض النهرية المشتركة التي تتقاسمها مع جيرانها، وهو ما يهدد الأمن المائي الإقليمي بأكمله.
ومن زاوية استراتيجية، فإن الحديث عن تنفيذ سلسلة جديدة من السدود دون اتفاقات مسبقة لا ينبغي النظر إليه باعتباره رسالة تحد لمصر، وإنما باعتباره مؤشرا على استمرار النهج الأحادي في إدارة الموارد المائية، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من فقدان الثقة بين دول الحوض، ويجعل التعاون أكثر صعوبة، ويهدد بتحويل النيل من نهر للتكامل إلى ساحة تنافس وصراع.
مستقبل حوض النيل لا يبنى بمنطق الغلبة أو فرض الأمر الواقع، وإنما بمنطق المصالح المشتركة، فلا مصر تقبل أن تتجاهل حق إثيوبيا في التنمية، ولا إثيوبيا تستطيع أن تتجاهل حق أكثر من مائة مليون مصري يعتمدون بصورة شبه كاملة على نهر النيل كمصدر للحياة، وهذه الحقيقة الجغرافية لا يمكن تغييرها بالشعارات السياسية.
الرهان الحقيقي ليس على من يعلن الانتصار إعلاميا، وإنما على من ينجح في بناء منظومة تعاون إقليمي تحقق الأمن المائي والتنمية معا، أما تحويل التنمية إلى أداة للابتزاز السياسي، أو تصوير احترام القانون باعتباره عداء للتنمية، فهو خطاب قد يحقق مكاسب دعائية مؤقتة، لكنه لن يصنع استقرارا دائما.
ولذلك فإن الرد الحقيقي على هذه المزاعم لا يكون بالدخول في سجال إعلامي، وإنما بالاستمرار في تعزيز الحضور المصري داخل إفريقيا، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتنموية، وتكثيف التحرك الدبلوماسي والقانوني، مع تطوير أدوات القوة الشاملة للدولة المصرية، فالقضية لم تعد مجرد خلاف حول سد، وإنما أصبحت اختبارا لمستقبل إدارة الموارد المشتركة في إفريقيا، ولمدى قدرة القارة على التوفيق بين حق التنمية وواجب احترام القانون.
إن مصر لم تخسر معركة، لأنها لم تدخل معركة ضد التنمية أصلا، لكنها تخوض معركة مختلفة تماما؛ معركة ترسيخ قواعد العدالة المائية، ومنع تحويل الأنهار الدولية إلى أدوات لفرض الإرادة المنفردة، وهذه معركة لا تخص مصر وحدها، بل تخص كل دولة تتقاسم موردا مائيا مع جيرانها، لأنها تتعلق بمستقبل النظام الإقليمي الإفريقي، وبقدرة القارة على بناء نموذج للتعاون لا للصراع.
طالع أيضاً




