السفير دكتور محمد حجازي يكتب : توماس سانكارا… الثورة التي لم تمت ” 22 “

في تاريخ إفريقيا الحديث، يندر أن نجد قائدًا ترك أثرًا يتجاوز سنوات حكمه القصيرة كما فعل توماس سانكارا , فقد حكم بوركينا فاسو أربع سنوات فقط، من 1983 إلى 1987، لكنه استطاع خلال هذه الفترة أن يتحول إلى أحد أكثر الرموز حضورًا في الذاكرة الإفريقية المعاصرة، وأن يصبح مصدر إلهام لأجيال كاملة من الشباب الأفارقة الباحثين عن الاستقلال الحقيقي والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية.
ولد توماس سانكارا عام 1949 في ما كان يعرف آنذاك بفولتا العليا، إحدى المستعمرات الفرنسية في غرب إفريقيا. ومنذ شبابه المبكر تأثر بأفكار التحرر الوطني والوحدة الإفريقية التي انتشرت في القارة خلال حقبة عبد الناصر ونكروما ونيريري , والتحق بالسلك العسكري، لكنه نظر إلى الجيش باعتباره أداة لخدمة الشعب والدفاع عن استقلال الوطن، لا مجرد مؤسسة أمنية.
ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في بلاده، برز سانكارا كأحد الأصوات المطالبة بالتغيير , وفي عام 1983 وصل إلى السلطة وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، ليصبح واحدًا من أصغر القادة في العالم آنذاك , ومنذ الأيام الأولى أعلن أن معركته الأساسية ليست فقط ضد الفقر، بل ضد التبعية والفساد والإرث الاستعماري.
وكان أول ما فعله هو إعادة تعريف هوية الدولة نفسها. ففي عام 1984 غيّر اسم البلاد من “فولتا العليا” إلى “بوركينا فاسو”، أي “أرض الرجال الشرفاء”، في رسالة واضحة تؤكد القطيعة مع الماضي الاستعماري وبناء هوية وطنية إفريقية مستقلة, كما كتب بنفسه كلمات النشيد الوطني الجديد، في خطوة نادرة تعكس مدى ارتباطه بمشروعه الوطني.
ولم يكن سانكارا ثائرًا بالشعارات فقط، بل سعى إلى ترجمة أفكاره إلى سياسات عملية. فأطلق حملات واسعة لمكافحة الأمية، وتحسين الرعاية الصحية، وتنفيذ برامج تطعيم جماعية للأطفال، وتشجيع الاعتماد على الإنتاج المحلي , كما خاض معركة مفتوحة ضد الفساد والامتيازات السياسية، وفرض على المسؤولين أسلوب حياة متقشفًا يعكس أوضاع المواطنين العاديين. وتشير العديد من الدراسات إلى أن سنوات حكمه القصيرة شهدت تقدمًا ملحوظًا في مجالات التعليم والصحة والتنمية الريفية.
ومن أكثر جوانب تجربته تميزًا موقفه من المرأة. فقد كان من أوائل القادة الأفارقة الذين اعتبروا أن تحرر المرأة جزء لا يتجزأ من تحرر المجتمع بأكمله, ودافع عن تعليم الفتيات، ورفض الممارسات التقليدية التي تنتقص من حقوق المرأة، وشجع مشاركتها في الحياة العامة. وقد أصبحت عبارته الشهيرة “الثورة وتحرير المرأة يسيران معًا” إحدى أكثر العبارات تداولًا في الأدبيات الإفريقية الحديثة.
وعلى الصعيد الإفريقي، كان سانكارا مؤمنًا بالوحدة الإفريقية والاستقلال الاقتصادي للقارة. وانتقد استمرار أشكال التبعية الاقتصادية للدول الإفريقية بعد الاستقلال السياسي، ودعا إلى تعاون إفريقي أوسع لمواجهة الفقر والديون والتدخلات الخارجية , وفي هذا الجانب كان امتدادًا فكريًا لمدرسة عبد الناصر ونكروما ونيريري التي ربطت بين التحرر الوطني والاستقلال الاقتصادي والوحدة الإفريقية.
غير أن مشروعه الطموح واجه معارضة داخلية وخارجية متزايدة. فالإصلاحات الجذرية التي تبناها مست مصالح نافذة داخل البلاد وخارجها، كما أثارت سياساته المستقلة قلق أطراف عديدة, وفي الخامس عشر من أكتوبر 1987 تعرض لانقلاب انتهى باغتياله مع عدد من رفاقه، ليرحل وهو في السابعة والثلاثين من عمره فقط. وقد قاد الانقلاب رفيقه السابق بليز كومباوري الذي تولى السلطة بعده.
لكن اغتيال سانكارا لم ينهِ حضوره. فعلى العكس، تحول مع مرور السنوات إلى أسطورة سياسية ورمز للتحرر والنزاهة والكرامة الوطنية, وأصبح اسمه يُستدعى في النقاشات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية ومستقبل إفريقيا , وبعد عقود من رحيله، ما زالت صوره ترفع في المظاهرات والمنتديات الشبابية من داكار إلى جوهانسبرغ ومن واغادوغو إلى القاهرة.
إن تجربة توماس سانكارا تذكرنا بأن قوة القائد لا تقاس بطول سنوات حكمه، بل بعمق الأثر الذي يتركه في شعبه وفي أمته , فقد عاش أربع سنوات في السلطة، لكنه بقي حاضرًا في الوجدان الإفريقي لأكثر من أربعة عقود , ولهذا استحق أن يُذكر بين كبار رموز التحرر الإفريقي، وأن يحتل مكانه في سجل القادة الذين سعوا إلى بناء إفريقيا مستقلة، معتزة بهويتها، وواثقة بقدرتها على صناعة مستقبلها .

إقرأ المزيد :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : المعلم جوليوس نيريري… ضمير إفريقيا وصانع الأمة التنزانية ” 21 ”




