أخبار عاجلةالرأي

آسيا العتروس تكتب .. الاصلاح التربوي أكبر من أي استشارة وطنية 

توشك السنة الدراسية الراهنة أن تنتهي وليس من الواضح ما إذا ستكون سنة بيضاء أو ما إذا ستتحرك العصا السحرية في اللحظات الاخيرة لتفرض حلا يجنب الجميع إراقة ما بقي من ماء الوجه و يجنب البلاد السيناريو الذي لا يمكن تحمله لأنه بكل بساطة لن يكون فيه رابح او خاسر بل الجميع فيه خاسرون . نقول هذا الكلام ولا تزال أزمة الاعداد قائمة بين النقابات المهنية وبين سلطات الاشراف فيما تعيش العائلات التونسية و معها آلاف التلاميذ حالة من الترقب والانشغال ، ولعلنا لا نبالغ إذا اعتبرنا اليوم أننا دفعنا وسندفع ثمن القطيعة الخطيرة بين مختلف الاطراف المعنية في البلاد حتى بتنا نتوقع أن يجلس الفرقاء في السودان واليمن وغيرها من مناطق النزاع حول طاولة التفاوض للخروج من النفق المظلم الذين ينحدرون إليه فيما يبدو الأمر في تونس أقرب الى الخيال رغم ان بلادنا أبعد ما تكون عما يروج له من تحذيرات من صراعات أهلية لا وجود لها إلا في أذهان اصحابها .

وحتى لا نبتعد كثيراعن الفكرة الأساسية والمتعلقة بإصلاح التعليم الذي تأخر كثيرا وهي مسألة مصيرية بدونها لا يمكن أن تتحقق الحصانة الحقيقية للشعوب التي يظل وجودها رهين السيادة المعرفية والفكرية والعلمية التي تجنبها التبعية المطلقة للغير إن شاء تكرم عليها وإن شاء تمنع .

ولاشك أن الاصلاح المنشود للتعليم مسألة يجب أن تخضع لشروط جدية و صارمة تجتمع فيها الكفاءة العلمية والخبرة وسعة الإطلاع على التجارب المقارنة والمعرفة بمدرسة المستقبل وما يحتاجه المدرس على مشارف العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين من مهارات خارقة في التعاطي مع الأجيال في عالم تحكمه التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي ما يدفعنا للقول صراحة أنه مثل هذا الإصلاح مسؤولية تاريخية وأخلاقية واجتماعية جسيمة تستوجب مهارات عالية ولا يمكن أن تقوده النوايا الطيبة ولا أن يخضع بأي حال من الاحوال للأهواء والمزاجية.

ولا شك أن ما نعيش على وقعه اليوم من خلافات لا تزول في قطاع التعليم من إنعدام للحوار وفشل في الخروج من دائرة الأزمات التي طال أمدها الى درجة التوجه إلى الخارج لطبع الكتاب المدرسي ما يعزز القناعة بأن اصلاح المنظومة التربوية في ظل هذا المناخ لا يمكن أن يؤدي إلى النتائج المطلوبة للحد من انهيار المؤسسة التربوية وكسب رهان التعليم الجيد وإيقاف نزيف الإنقطاع المبكر عن التعليم والذي بلغ المائة ألف تلميذ سنويا ونزيف الكفاءات الجامعية التي تهرب من البلاد .

هذا طبعا دون الخوض في المسائل المتعلقة بالتكوين والتأهيل وتوفيرما تحتاجه مدرسة الغد من ضمانات النجاح والتميز علما أن عشرات بل مئات المدارس تفتقد للشروط الصحية وللماء الصالح للشراب فيما لا يحظى الاطار التربوي المنهك بما يكفي لضمان كرامته.

والأكيد أن الأمر لا يتعلق بتغييرالحقائب الوزارية وإن كان في بعض الاحيان في تبديل السروج راحة ، ولكن الأمر يتعلق هنا بمستقبل الأجيال القادمة و مصير بلاد راهنت قبل حتى الاستقلال على التعليم للالتحاق بالدول و الشعوب الراقية ، وهو ما يدفعنا للقول صراحة , وليس في هذا استنقاص لأي كان ولا هو موجب لاستعمال المرسوم 54 سيئ الذكر, بأن الانسياق الى خيار الاستشارة الإلكترونية لإصلاح المنظومة التربوية ليس بالخيار الأفضل وقد لا يحمل في طياته ما تستوجبه هذه العملية الحساسة من دراية ومعرفة بأفضل الانظمة التربوية المتبعة في العالم ومنها ما هو قائم في النرويج أو اليابان أوغيرها أيضا من التجارب الناجحة التي راهنت على أفضل ما لديها من كفاءات جامعية لخوض تجربة التعليم وتحمل مسؤولية تعليم الأجيال باعتماد نظام تربوي يتساوى فيه الجميع من إبن حارس المدرسة إلى إبن الرئيس ولا وجود فيه لتعليم عمومي وآخر خاص ويتقاضى فيه المربي أجرا يفوق أجر مسؤول رفيع في الدولة وفي ذلك بداية الطريق للخروج من النفق وتجاوز الإفلاس الحاصل في التعليم وفي غيره من القطاعات .

والاصلاح مهمة صعبة ومعقدة تضطلع بها الكفاءات التي يتعين أن تسمو بالعامة إلى الأعلى و ليس العكس حتى لا يأتي يوم نغرق جميعا في دمقرطة الجهل والتخلف والشعبوية .

– عيد عمال كله نشاط و حيوية

* آسيا العتروس .. كاتبة تونسية

آسيا العتروس تكتب : تحية للمرابطين في الأقصى

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »