أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الملك محمد الخامس.. استقلال المغرب والقاهرة في قلب النضال الوطني

في تاريخ حركات التحرر الإفريقية، يحتل المغرب مكانة بارزة باعتباره واحدًا من البلدان التي خاضت معركة طويلة من أجل استعادة استقلالها وإنهاء نظام الحماية الاستعمارية .. وفي قلب هذه المعركة يقف الملك محمد الخامس، الذي أصبح رمزًا للنضال الوطني المغربي، وقائدًا لمعركة الاستقلال، وشخصية ارتبط اسمها بما عرف في التاريخ المغربي بـ ثورة الملك والشعب.

لكن قصة استقلال المغرب لم تكن مغربية خالصة من حيث ساحات النضال. فقد امتدت القضية إلى خارج الحدود، وكانت القاهرة واحدة من أهم العواصم التي احتضنت النضال الوطني المغربي، ووفرت له منبرًا سياسيًا وإعلاميًا عربيًا وإفريقيًا.

محمد الخامس.. الملك الذي أصبح رمزًا للاستقلال

ولد السلطان محمد بن يوسف، الذي أصبح لاحقًا الملك محمد الخامس، عام 1909، وتولى عرش المغرب عام 1927.

كانت البلاد في ذلك الوقت خاضعة لنظام الحماية، الذي فرضته فرنسا عام 1912، مع وجود منطقة خاضعة للحماية الإسبانية في شمال المغرب ومناطق أخرى.

ومع تصاعد الحركة الوطنية المغربية، بدأ الصراع بين القصر والحركة الوطنية من جهة، والسلطات الاستعمارية من جهة أخرى، يأخذ أبعادًا متزايدة.

كان محمد الخامس يدرك أن الحفاظ على سيادة المغرب ووحدته يمثل جوهر مسؤوليته التاريخية.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، أخذت المطالبة بالاستقلال تتسع، وأصبح السلطان محمد الخامس أكثر وضوحًا في التعبير عن تطلعات الشعب المغربي.

خطاب طنجة وبداية مرحلة جديدة

كان خطاب طنجة في أبريل 1947 محطة مهمة في تاريخ الحركة الوطنية المغربية.

فقد أكد محمد الخامس في خطابه تمسك المغرب بوحدته وهويته، وعبّر عن تطلع البلاد إلى التحرر واستعادة سيادتها.

وكان الخطاب رسالة واضحة إلى فرنسا وإلى العالم بأن قضية المغرب لم تعد قابلة للإبقاء عليها داخل إطار الحماية الاستعمارية.

ومنذ ذلك الوقت أخذت العلاقة بين القصر وسلطات الحماية تتجه نحو مواجهة أكثر حدة.

القاهرة.. صوت المغرب في العالم العربي

في هذه المرحلة كانت القاهرة تتحول تدريجيًا إلى مركز رئيسي لحركات التحرر العربية والإفريقية.

وبعد تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، أصبحت العاصمة المصرية منصة مهمة للقضايا العربية، ومنها القضية المغربية.

وجد الوطنيون المغاربة في القاهرة مجالًا واسعًا للتحرك السياسي والإعلامي والدبلوماسي.

كما أصبح للقضية المغربية حضور في الصحافة المصرية، وفي أوساط جامعة الدول العربية، وفي الاتصالات السياسية العربية.

وكانت أهمية القاهرة أنها لم تكن مجرد عاصمة عربية متعاطفة مع المغرب، وإنما كانت مركزًا تتقاطع فيه حركات التحرر في شمال إفريقيا.

ففي القاهرة التقت القضية المغربية بالقضيتين الجزائرية والتونسية، وأصبح النضال ضد الاستعمار الفرنسي قضية مغاربية وعربية ذات امتداد إفريقي.

محمد الخامس والحركة الوطنية

لم يكن محمد الخامس مجرد رأس للدولة في مرحلة الاستقلال.

لقد تحول تدريجيًا إلى رمز للنضال الوطني.

وكانت الحركة الوطنية المغربية ترى في القصر شريكًا أساسيًا في مواجهة الحماية، بينما وجد الشعب المغربي في موقف الملك تعبيرًا عن تمسكه بالسيادة والوحدة الوطنية.

وقد ازدادت شعبية محمد الخامس مع مرور الوقت، خصوصًا عندما أصبح واضحًا أن فرنسا تسعى إلى إضعاف سلطته وإبعاده عن الحركة الوطنية.

النفي.. اللحظة الفاصلة

في أغسطس 1953 اتخذت سلطات الحماية الفرنسية أخطر خطواتها.

فقد أُجبر محمد الخامس على مغادرة المغرب، ونُفي أولًا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر، وتم تنصيب محمد بن عرفة بدلًا منه.

لكن النتيجة جاءت عكسية تمامًا.

فبدلًا من إضعاف الحركة الوطنية، أدى نفي محمد الخامس إلى توحيد قطاعات واسعة من الشعب المغربي حول الملك.

وأصبحت عودة الملك مطلبًا وطنيًا، وتحولت المرحلة إلى ما عرف في الذاكرة المغربية باسم ثورة الملك والشعب.

القاهرة تتابع معركة المغرب

خارج المغرب، استمرت الحركة الوطنية في العمل من أجل تدويل القضية.

وكانت القاهرة في مقدمة العواصم التي تابعت التطورات المغربية وساندت حق الشعب المغربي في الاستقلال.

كما لعبت جامعة الدول العربية دورًا في دعم القضية المغربية في المحافل الدولية.

وأصبحت إذاعة القاهرة وصحافتها من أدوات التعريف بالنضال المغربي، في وقت كانت فيه وسائل الإعلام الواقعة تحت سيطرة القوى الاستعمارية تحاول تقديم الأحداث من منظور مختلف.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية لدور القاهرة في هذه المرحلة.

فالقاهرة لم تحمل السلاح في جبال المغرب، لكنها حملت صوت القضية المغربية إلى العالم العربي، وساعدت في توفير المجال السياسي والإعلامي الذي احتاجته الحركة الوطنية.

عودة الملك

مع تصاعد المقاومة الوطنية وتزايد الضغوط السياسية الدولية، أدركت فرنسا أن سياسة الإقصاء لم تحقق هدفها.

وفي نوفمبر 1955 عاد محمد الخامس إلى المغرب وسط استقبال شعبي هائل.

كانت عودته نقطة التحول النهائية في معركة الاستقلال.

وفي مارس 1956 أعلنت فرنسا اعترافها باستقلال المغرب وإنهاء نظام الحماية.

وبذلك دخل المغرب مرحلة جديدة، وأصبح محمد الخامس أول ملك للمغرب المستقل.

الاستقلال ووحدة الوطن

لم يكن الاستقلال بالنسبة لمحمد الخامس مجرد إنهاء للحماية الفرنسية.

كان مشروعًا لاستعادة سيادة الدولة المغربية ووحدتها.

وقد ارتبطت السنوات الأخيرة من عهده بجهود بناء مؤسسات الدولة المستقلة وتوحيد البلاد واستعادة عناصر السيادة الوطنية.

ولهذا بقي محمد الخامس في الذاكرة المغربية بوصفه ملك الاستقلال.

القاهرة في قصة استقلال المغرب

عندما نعيد قراءة هذه المرحلة من منظور سلسلة «القاهرة عاصمة النضال الإفريقي»، تظهر أهمية القاهرة بوضوح.

فالعاصمة المصرية كانت إحدى أهم المنصات التي خرجت منها قضية المغرب من إطارها المحلي إلى الفضاء العربي والدولي.

وفيها التقت الحركة الوطنية المغربية بقيادات وحركات تحرر عربية وإفريقية، وتواصلت مع جامعة الدول العربية، واستفادت من الإعلام المصري في الدفاع عن حق المغرب في الاستقلال.

وهذا الدور لم يكن منفصلًا عن رؤية مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، التي اعتبرت مقاومة الاستعمار في شمال إفريقيا جزءًا من معركة التحرر العربي والإفريقي.

محمد الخامس.. رمز مرحلة الاستقلال

تظل شخصية محمد الخامس مرتبطة بمرحلة محددة وواضحة من التاريخ المغربي:

مرحلة النضال من أجل الاستقلال.

فهو الملك الذي رفض أن يكون مجرد رمز في ظل الحماية، وارتبط اسمه بالحركة الوطنية، وتحمل النفي، ثم عاد إلى بلاده مع انتصار قضية الاستقلال.

ومن هنا فإن وضع محمد الخامس في سلسلة «القاهرة عاصمة النضال الإفريقي» لا يأتي فقط لأنه ملك المغرب عند الاستقلال، وإنما لأنه يمثل جيلًا من القادة الذين ارتبطت معاركهم الوطنية بشبكة واسعة من التضامن العربي والإفريقي.

خاتمة

كان استقلال المغرب ثمرة نضال طويل شارك فيه الشعب المغربي والحركة الوطنية والملك محمد الخامس.

وكانت القاهرة إحدى ساحات هذا النضال خارج الأراضي المغربية؛ احتضنت القضية، وفتحت منابرها أمام الوطنيين، ودعمت حضور المغرب في الفضاء العربي، وربطت النضال المغربي بحركة التحرر الأوسع في شمال إفريقيا.

ومن الرباط إلى القاهرة امتد طريق طويل نحو الاستقلال.. وفي نهايته عاد محمد الخامس إلى المغرب، لا بوصفه ملكًا عاد من المنفى فحسب، وإنما بوصفه رمزًا لانتصار إرادة شعب على نظام الحماية والاستعمار.

وهكذا تستحق قصة محمد الخامس أن تكون إحدى حلقات «القاهرة عاصمة النضال الإفريقي»، لأنها تكشف كيف تجاوزت معركة استقلال المغرب حدود البلاد، وكيف أصبحت القاهرة إحدى العواصم التي ساهمت في حمل صوت المغرب إلى العالم.

نسخة من البوم 2026 08 28T231009.639 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الملك محمد الخامس.. استقلال المغرب والقاهرة في قلب النضال الوطني

Gamal Abdel Nasser in Morocco السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الملك محمد الخامس.. استقلال المغرب والقاهرة في قلب النضال الوطني Screenshot 20240110 195717 LinkedIn السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الملك محمد الخامس.. استقلال المغرب والقاهرة في قلب النضال الوطني

طالع أيضا :

السفير دكتور محمد حجازي : بطرس بطرس غالي .. الأفريقي الذي صاغ الضمير الدولي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى