السفير دكتور محمد حجازي يكتب : من القاهرة إلى أديس أبابا… كيف أسهمت مصر في ميلاد منظمة الوحدة الأفريقية

لم يكن تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 حدثًا إداريًا عابرًا، بل كان ثمرة مسار نضالي وفكري طويل قادته عواصم تحررية في مقدمتها القاهرة, فقبل أن تجتمع الدول الأفريقية المستقلة في أديس أبابا، كانت القاهرة قد لعبت دور المختبر السياسي الذي صيغت فيه الأفكار، وتلاقحت فيه الرؤى، وتكوّنت فيه الثقة اللازمة لتحويل التضامن إلى مؤسسة.
جاء هذا التحول في سياق إدراك مصري مبكر بأن دعم حركات التحرر، مهما بلغ عمقه، يحتاج إلى إطار مؤسسي يحفظ المكتسبات ويمنع الارتداد. وقد جسّد هذا الإدراك نهجًا قاده جمال عبد الناصر، يقوم على الربط بين استقلال القرار الوطني وبناء نظام إقليمي أفريقي قادر على إدارة الخلافات ومنع الاختراقات الخارجية.
في القاهرة، التقى قادة التحرر الأفريقي وتناقشوا في صيغ الوحدة وحدودها. تباينت الرؤى بين دعاة الوحدة الفورية وأنصار التدرّج المؤسسي، لكن القاهرة أدّت دور الوسيط الجامع؛ فدفعت نحو صيغة تُبقي على سيادة الدول الوليدة، وتؤسس في الوقت نفسه لبيت أفريقي مشترك. هذا التوازن كان حاسمًا لتجاوز الانقسامات، ومهّد الطريق لاجتماع أديس أبابا التاريخي.
لم يقتصر الدور المصري على التمهيد الفكري، بل شمل الدعم الدبلوماسي والتنظيمي: تنسيق المواقف، تقريب وجهات النظر، وتوفير المنصات الإعلامية لترويج فكرة الوحدة باعتبارها ضرورة أمن قومي أفريقي، لا شعارًا أيديولوجيًا. وبذلك، تحوّلت القاهرة من عاصمة للنضال إلى رافعة مؤسِّسة للعمل القاري المنظّم.
انعقد المؤتمر التأسيسي في أديس أبابا، لكن بصمات القاهرة كانت واضحة في الوثائق والمبادئ: احترام السيادة، عدم التدخل، دعم حركات التحرر، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. كانت هذه المبادئ انعكاسًا لتجربة التحرر نفسها، ودرسًا مستخلصًا من كلفة الانقسام في مواجهة الاستعمار.
إقرأ أيضا : إدارة الإعلام بمفوضية الاتحاد الأفريقي تشيد بسلسلة «القاهرة عاصمة النضال الأفريقي»
وقد منحت منظمة الوحدة الأفريقية أفريقيا صوتًا جماعيًا في النظام الدولي، ووفّرت مظلة شرعية لاستكمال مسار التحرر في الأقاليم التي لم تنل استقلالها بعد. وفي هذا الإطار، شكّل الدور المصري ضمانة سياسية لاستمرارية المنظمة، وحافظ على زخمها في سنواتها الأولى، حين كانت التحديات الداخلية والخارجية جسيمة.
اليوم، ومع تحوّل المنظمة لاحقًا إلى الاتحاد الأفريقي، تبقى لحظة الميلاد دلالة على أن القوة الناعمة المصرية لم تكن خطابًا، بل قدرة على بناء التوافق وصناعة المؤسسات. فالقاهرة التي احتضنت المناضلين، ونسّقت الثورات، واستخدمت الإعلام كسلاح تحرر، هي نفسها التي أسهمت في تشييد البيت الأفريقي، واضعةً حجر الأساس لنظام إقليمي يسعى إلى حماية سيادة القارة ومصالحها
الحلقة السابعة من السلسلة، تُبرز دور القاهرة في مناهضة الفصل العنصري وبناء التضامن الدولي مع جنوب أفريقيا.


إقرأ المزيد :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : الجزائر والقاهرة… عندما التقت ثورتان في معركة واحدة ” 5 ”
الجمعية الأفريقية: ٥ شارع أحمد حشمت – الزمالك .. عندما كانت القاهرة مقرًّا لحركات التحرر الأفريقية
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أحمد سيكوتوريه وغينيا… الاستقلال الصعب والدعم المصري ” 3 “




