أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : من باندونغ إلى بلغراد… كيف أصبح جمال عبد الناصر صوت العالم الثالث؟

لم يقتصر تأثير جمال عبد الناصر على مصر أو العالم العربي أو إفريقيا، بل امتد إلى النظام الدولي نفسه في لحظة كانت البشرية تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا , فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انقسم العالم إلى معسكرين متنافسين؛ الولايات المتحدة تقود الكتلة الغربية، والاتحاد السوفيتي يقود الكتلة الشرقية، بينما وجدت عشرات الدول الآسيوية والإفريقية التي حصلت على استقلالها حديثًا نفسها أمام سؤال مصيري: هل تنضم إلى أحد المعسكرين، أم تبحث عن طريق ثالث يحافظ على استقلال قرارها الوطني؟

كان عبد الناصر من أوائل القادة الذين أدركوا أن الاستقلال السياسي لا يكتمل إذا أصبح القرار الوطني رهينة للاستقطاب الدولي. ومن هنا جاءت مشاركته في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا عام 1955، الذي جمع تسعًا وعشرين دولة آسيوية وإفريقية، في أول لقاء واسع للدول الخارجة من الاستعمار. ولم يكن المؤتمر مجرد تجمع دبلوماسي، بل إعلانًا عن ميلاد قوة سياسية جديدة تمثل شعوب الجنوب، وتطالب بعلاقات دولية أكثر عدلًا، واحترام السيادة، ورفض الاستعمار والعنصرية.

وفي باندونغ، نسج عبد الناصر علاقات وثيقة مع جواهر لال نهرو، وأحمد سوكارنو، وجوزيب بروز تيتو، وكوامي نكروما، وغيرهم من القادة الذين آمنوا بأن العالم لا ينبغي أن يبقى أسيرًا لصراع القوتين العظميين. وقد شكل هذا اللقاء الأساس الفكري والسياسي لما سيعرف لاحقًا بـ حركة عدم الانحياز.

وعندما انعقد مؤتمر بلغراد عام 1961، كانت الحركة قد تحولت إلى إطار دولي منظم، ضم عشرات الدول التي اختارت عدم الانحياز لأي من الكتلتين، مع احتفاظها بحقها في إقامة علاقات متوازنة مع الجميع. وكان جمال عبد الناصر أحد أبرز مؤسسي الحركة، إلى جانب نهرو وتيتو وسوكارنو والرئيس الغاني كوامي نكروما.

لم تكن فكرة عدم الانحياز حيادًا سلبيًا، كما تصورها البعض، وإنما كانت تعبيرًا عن استقلال الإرادة الوطنية. فقد دافعت الحركة عن حق الدول في اختيار نماذجها السياسية والاقتصادية بحرية، ورفضت التدخل في شؤونها الداخلية، وساندت قضايا التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وطالبت بإصلاح النظام الاقتصادي الدولي بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة للدول النامية.

وخلال تلك المرحلة، أصبحت القاهرة محطة رئيسية للقمم الدولية، واستقبلت رؤساء وملوكًا وقادة من مختلف القارات، كما لعبت الدبلوماسية المصرية دورًا مؤثرًا داخل الأمم المتحدة، وفي مؤتمرات نزع السلاح، ومناقشات إنهاء الاستعمار، والقضايا الإفريقية والعربية.

وكانت أزمة السويس عام 1956 نقطة تحول في مكانة عبد الناصر الدولية. فقد أظهرت أن دولة نامية تستطيع الدفاع عن سيادتها في مواجهة ثلاث قوى عسكرية كبرى، كما أبرزت أن النظام الدولي لم يعد يسمح بسهولة بإعادة إنتاج السيطرة الاستعمارية التقليدية. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح اسم عبد الناصر حاضرًا في معظم النقاشات المتعلقة بمستقبل العالم النامي، وارتبطت القاهرة بدور الوسيط والداعم لقضايا الاستقلال.

وفي الأمم المتحدة، وقفت مصر إلى جانب حق الشعوب في تقرير مصيرها، ودعمت استقلال الجزائر والكونغو وأنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو وغيرها من الدول، كما شاركت بفاعلية في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، خاصة في الكونغو، في إطار التزامها بدعم استقرار الدول الإفريقية المستقلة حديثًا.

وعلى الرغم من أن مصر أقامت علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفيتي في مجالات التسليح والتنمية، فإن عبد الناصر حرص على عدم تحويل هذه العلاقة إلى تبعية سياسية، واستمر في التواصل مع دول الغرب كلما اقتضت المصالح الوطنية ذلك. وقد عكست هذه السياسة رؤية تقوم على تنويع الشراكات الدولية، بما يضمن استقلال القرار المصري، وهي رؤية ما زالت تمثل أحد المبادئ الأساسية للدبلوماسية المصرية.

ومع مرور الوقت، أصبحت حركة عدم الانحياز تمثل أغلبية دول الأمم المتحدة، وأسهمت في تعزيز صوت الدول النامية داخل المؤسسات الدولية، كما لعبت دورًا في دعم قضايا التنمية، ومناهضة الفصل العنصري، والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وترسيخ مفهوم المساواة بين الدول، بصرف النظر عن حجمها أو قوتها العسكرية.

لقد أدرك جمال عبد الناصر أن معركة التحرر لا تنتهي بخروج آخر جندي أجنبي، بل تبدأ بعدها معركة بناء الدولة المستقلة، وحماية القرار الوطني، وتحقيق التنمية. ومن هنا ارتبط اسمه ليس فقط باستقلال مصر، وإنما بإعادة تعريف مكانة العالم النامي في السياسة الدولية.

وهكذا، لم يكن عبد الناصر مجرد رئيس لجمهورية مصر العربية، بل أصبح أحد أبرز وجوه القرن العشرين، وقائدًا ساهم في صياغة خطاب جديد للعلاقات الدولية، يقوم على احترام السيادة، ودعم حق الشعوب في الحرية، ورفض الهيمنة والاستقطاب. ومن القاهرة، التي أصبحت في تلك الحقبة ملتقى لقادة آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، انطلقت رؤية جديدة للعالم، ما زالت كثير من مبادئها حاضرة في السياسات الدولية حتى اليوم .

نسخة من البوم 2026 07 26T232348.536 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : من باندونغ إلى بلغراد… كيف أصبح جمال عبد الناصر صوت العالم الثالث؟
الزعيم جمال عبد الناصر
نسخة من البوم 2026 07 26T233253.816 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : من باندونغ إلى بلغراد… كيف أصبح جمال عبد الناصر صوت العالم الثالث؟
الزعيم جمال عبد الناصر ونهرو وتيتو

إقرأ المزيد :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : القاهرة عاصمة التحرر الإفريقي… كيف جعل جمال عبد الناصر من مصر شريكًا في استقلال القارة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى